البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٨ - قيمة هذا التفسير و فضله
مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،مَعَ الْمَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ،وَ مَعْرِفَةٌ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْحَقِّ [١] عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ،لاَ يَسْتَحِقُّ أَهْلُهَا مَا يَسْتَحِقُّ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى بَصِيرَتِهِمْ،وَ لاَ يَصِلُونَ بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ الْمُقَصِّرَةِ إِلَى حَقِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ،كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ: وَ لاٰ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفٰاعَةَ إِلاّٰ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٢]فَمَنْ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ لاَ يَعْقِدُ عَلَيْهَا قَلْبَهُ،وَ لاَ يَتَبَصَّرُ بِهَا [٣]،لَمْ يُثِبْهُ اللَّهُ ثَوَابَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَلْبَهُ وَ أَبْصَرَهَا،وَ كَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ [٤] لاَ يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ،وَ لاَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ،وَ ثَبَتَ عَلَيْهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَ قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كَانَ حَالُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي الظَّاهِرِ،وَ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ،فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَ حَدِيثِهِ إِلَى انْتِهَاءِ الْأَمْرِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ بَعْدَهُ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى مَا صَارَ،وَ إِلَى مَا انْتَهَتْ مَعْرِفَتُهُمْ بِهِ،فَإِنَّمَا عَرَفُوا بِمَعْرِفَةِ أَعْمَالِهِمْ وَ دِينِهِمُ الَّذِي أَتَوْا [٥] بِهِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ،الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ،وَ الْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ،وَ قَدْ يُقَالُ:إِنَّ مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بِغَيْرِ يَقِينٍ وَ لاَ بَصِيرَةٍ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا كَانَ دَخَلَ فِيهِ،رَزَقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مَعْرِفَةً ثَابِتَةً عَلَى بَصِيرَةٍ وَ أَجْزَلَ.
وَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَوْ قُلْتُ:إِنَّ الصَّلاَةَ وَ الزَّكَاةَ وَ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ وَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَ الطُّهْرَ وَ الاِغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ كُلَّ فَرِيضَةٍ،كَانَ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لَصَدَقْتُ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالنَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ لَوْ لاَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ الْإِقْرَارُ بِهِ وَ التَّسْلِيمُ لَهُ مَا عَرَفْتُ ذَلِكَ،فَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِ،وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ لَمْ أَعْرِفْ شَيْئاً مِنْ هَذَا.
فَهَذَا كُلُّهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَصْلُهُ،وَ هُوَ فَرْعُهُ،وَ هُوَ دَعَانِي إِلَيْهِ،وَ دَلَّنِي عَلَيْهِ،وَ عَرَّفَنِيهِ،وَ أَمَرَنِي بِهِ، وَ أَوْجَبَ لَهُ عَلَيَّ الطَّاعَةَ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ،وَ لاَ يَسَعُنِي جَهْلُهُ،وَ كَيْفَ يَسَعُنِي جَهْلُ مَنْ هُوَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ؟!وَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لِي لَوْ لاَ أَنِّي أَصِفُ دِيناً [٦] غَيْرَهُ؟!وَ كَيْفَ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ مَعْرِفَةَ الرَّجُلِ؟! وَ إِنَّمَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ إِنَّمَا أَنْكَرَ دِينَ اللَّهِ مَنْ أَنْكَرَهُ بِأَنْ قَالَ:أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً؟!ثُمَّ قَالَ:أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟!فَكَفَرُوا بِذَلِكَ الرَّجُلِ،وَ كَذَّبُوا بِهِ،وَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ،وَ قَالُوا:لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: قُلْ -لَهُمْ- مَنْ أَنْزَلَ الْكِتٰابَ الَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً وَ هُدىً لِلنّٰاسِ [٧]ثُمَّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَ لَوْ أَنْزَلْنٰا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لاٰ يُنْظَرُونَ* وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلاً . [٨]
[١] في المصدر:و معرفة في الظاهر فأهل المعرفة في الظاهر الذين علموا أمرنا بالحقّ.
[٢] الزّخرف ٤٣:٨٦.
[٣] في المصدر:و لا يبصر ما يتكلّم به.
[٤] في المصدر:بجور.
[٥] في المصدر:دانوا.
[٦] في المصدر زيادة:هو الذي أتاني به ذلك النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)أن أصف أن الدّين.
[٧] الأنعام ٦:٩١.
[٨] الأنعام ٦:٨ و ٩.