البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٦ - تقريظه
هُوَ أَمْ حَرَامٌ؟وَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ تَفْسِيرِ ذَلِكَ،وَ أَنَا أُبَيِّنُهُ لَكَ حَتَّى لاَ تَكُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي عَمًى [١] وَ لاَ شُبْهَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْكَ.
وَ قَدْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِي كِتَابِي هَذَا تَفْسِيرَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فَاحْفَظْهُ الْحِفَاظَ [٢] كُلَّهُ وَ عِهْ،كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ [٣] وَ أَنَا أَصِفُهُ لَكَ بِحِلِّهِ [٤] وَ أَنْفِي عَنْكَ حَرَامَهُ-إِنْ شَاءَ اللَّهُ-كَمَا وَصَفْتُ لَكَ،وَ أُعَرِّفُكَهُ حَتَّى تَعْرِفَهُ-إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-وَ لاَ تُنْكِرَهُ،وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ،وَ الْقُوَّةُ وَ الْعِزَّةُ لِلَّهِ جَمِيعاً.
أُخْبِرُكَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ وَ يَدِينُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي سَأَلْتَنِي عَنْهَا فَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ بَيِّنُ الشِّرْكِ،لاَ يَسَعُ أَحَداً الشَّكُّ فِيهِ،وَ أُخْبِرُكَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ مِنْ قَوْمٍ سَمِعُوا مَا لَمْ يَعْقِلُوهُ عَنْ أَهْلِهِ،وَ لَمْ يُعْطَوْا فَهْمَ ذَلِكَ،وَ لَمْ يَعْرِفُوا حُدُودَ مَا سَمِعُوا،فَوَضَعُوا حُدُودَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مُقَايَسَةً بِرَأْيِهِمْ وَ مُقْتَضَى [٥] عُقُولِهِمْ،وَ لَمْ يَضَعُوهَا عَلَى حُدُودِ مَا أُمِرُوا،كَذِباً وَ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ جُرْأَةً عَلَى الْمَعَاصِي،فَكَفَى بِهَذَا جَهْلاً لَهُمْ،وَ لَوْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا عَلَى حُدُودِهَا الَّتِي حُدَّتْ لَهُمْ وَ قَبِلُوهَا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ،وَ لَكِنْ حَرَّفُوهَا وَ تَعَدَّوُا الْحَقَّ،وَ كَذَبُوا فِيهَا وَ تَهَاوَنُوا بِأَمْرِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ.
وَ لَكِنْ أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَدَّهَا بِحُدُودِهَا لِئَلاَّ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهُ أَحَدٌ،وَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا لَعُذِرَ النَّاسُ بِجَهْلِ مَا لَمْ يَعْرِفُوا حَدَّ مَا حُدَّ لَهُمْ فِيهِ،وَ لَكَانَ الْمُقَصِّرُ وَ الْمُتَعَدِّي حُدُودَ اللَّهِ مَعْذُوراً إِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا،وَ لَكِنْ جَعَلَهَا اللَّهُ حُدُوداً مَحْدُودَةً لاَ يَتَعَدَّاهَا إِلاَّ مُشْرِكٌ كَافِرٌ،قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلاٰ تَعْتَدُوهٰا وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ . [٦]
فَأُخْبِرُكَ حَقّاً يَقِيناً أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْإِسْلاَمَ دِيناً وَ رَضِيَهُ لِخَلْقِهِ،فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ عَمَلاً إِلاَّ بِهِ،وَ بِهِ بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ،ثُمَّ قَالَ: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْنٰاهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ [٧]فَعَلَيْهِ وَ بِهِ بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ وَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَأَصْلُ الدِّينِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ وَ وَلاَيَتُهُمْ،وَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَلَّ حَلاَلاً وَ حَرَّمَ حَرَاماً؛فَجَعَلَ حَلاَلَهُ حَلاَلاً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَ جَعَلَ حَرَامَهُ حَرَاماً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَمَعْرِفَةُ الرُّسُلِ وَ وَلاَيَتُهُمْ وَ طَاعَتُهُمْ هِيَ الْحَلاَلُ،فَالْمُحَلَّلُ مَا حَلَّلُوا،وَ الْمُحَرَّمُ مَا حَرَّمُوا،وَ هُمْ أَصْلُهُ وَ مِنْهُمُ الْفُرُوعُ الْحَلاَلُ،وَ حِجُّ الْبَيْتِ وَ الْعُمْرَةُ،وَ تَعْظِيمُهُمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَ شَعَائِرَهُ وَ مَشَاعِرَهُ،وَ تَعْظِيمُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
[١] في«س»:غمّ.
[٢] الحفاظ:المحافظة،و هو المواظبة و الذبّ عن المحارم.«القاموس المحيط-حفظ-٢:٤٠٩».
[٣] الحاقّة ٦٩:١٢.
[٤] الحلّ:الحلال،و هو ضدّ الحرام.«الصحاح-حلل-٤:١٦٧٢».
[٥] في«س»:و منتهى.
[٦] البقرة ٢:٢٢٩.
[٧] الإسراء ١٧:١٠٥.