البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٣٠ - بقرة آيه ٢٥٩
أَسْكَنْتُهُمْ فِيهَا،فَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي،وَ غَيَّرُوا دِينِي،وَ بَدَّلُوا نِعْمَتِي كُفْراً،فَبِي حَلَفْتُ،لَأَمْتَحِنَنَّهُمْ بِفِتْنَةٍ يَظَلُّ الْحَلِيمُ فِيهَا حَيْراناً،وَ لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ شَرَّ عِبَادِي وِلاَدَةً،وَ شَرَّهُمْ طَعَاماً،فَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْجَبْرِيَّةِ فَيَقْتُلُ مُقَاتِلِيهِمْ،وَ يَسْبِي حَرِيمَهُمْ،وَ يُخَرِّبُ دِيَارَهُمُ الَّتِي يَغْتَرُّونَ بِهَا،وَ يُلْقِي حَجَرَهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَزَابِلِ مِائَةَ سَنَةٍ.
فَأَخْبَرَ إِرْمِيَا أَحْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَقَالُوا لَهُ:رَاجِعْ رَبَّكَ،فَقُلْ لَهُ:مَا ذَنْبُ الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الضُّعَفَاءِ؟ فَصَامَ إِرْمِيَا سَبْعاً،ثُمَّ أَكَلَ أَكْلَةً فَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ،ثُمَّ صَامَ سَبْعاً [١]،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:يَا إِرْمِيَا،لَتَكُفَّنَّ عَنْ هَذَا، أَوْ لَأَرُدَّنَّ وَجْهَكَ إِلَى [٢] قَفَاكَ».قَالَ:«ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ:قُلْ لَهُمْ لِأَنَّكُمْ رَأَيْتُمُ الْمُنْكَرَ فَلَمْ تُنْكِرُوهُ.
فَقَالَ إِرْمِيَا:رَبِّ،أَعْلِمْنِي مَنْ هُوَ حَتَّى آتِيَهُ،فَآخُذَ لِنَفْسِي وَ أَهْلِ بَيْتِي مِنْهُ أَمَاناً؟قَالَ:اِئْتِ مَوْضِعَ كَذَا وَ كَذَا، فَانْظُرْ إِلَى غُلاَمٍ أَشَدُّهُمْ زَمَانَةً [٣]،وَ أَخْبَثُهُمْ وِلاَدَةً،وَ أَضْعَفُهُمْ جِسْماً،وَ شَرُّهُمْ غِذَاءً،فَهُوَ ذَلِكَ.
فَأَتَى إِرْمِيَا ذَلِكَ الْبَلَدَ فَإِذَا هُوَ بِغُلاَمٍ فِي خَانٍ،زَمِنٍ [٤]،مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ وَسَطَ الْخَانِ،وَ إِذَا لَهُ أُمٌّ تَرْمِي بِالْكِسَرِ، وَ تَفُتُّ الْكِسَرَ فِي الْقَصْعَةِ،وَ تَحْلُبُ عَلَيْهِ خِنْزِيرَةً لَهَا،ثُمَّ تُدْنِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْغُلاَمِ فَيَأْكُلُهُ.
فَقَالَ إِرْمِيَا:إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ فَهُوَ هَذَا.فَدَنَا مِنْهُ،فَقَالَ لَهُ:مَا اسْمُكَ؟قَالَ:بُخْتُنَصَّرَ.فَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ،فَعَالَجَهُ حَتَّى بَرِئَ.ثُمَّ قَالَ لَهُ:تَعْرِفُنِي؟قَالَ:لاَ،أَنْتَ رَجُلٌ صَالِحٌ.قَالَ:أَنَا إِرْمِيَا نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ،أَخْبَرَنِي اللَّهُ أَنَّهُ سَيُسَلِّطُكَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتْقُتُلُ رِجَالَهُمْ،وَ تَفْعَلُ بِهِمْ كَذَا وَ كَذَا-قَالَ-:فَتَاهَ [٥] الْغُلاَمُ فِي نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ،ثُمَّ قَالَ إِرْمِيَا:اُكْتُبْ لِي كِتَاباً بِأَمَانٍ مِنْكَ.فَكَتَبَ لَهُ كِتَاباً،وَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْجَبَلِ وَ يَحْتَطِبُ،وَ يُدْخِلُهُ الْمَدِينَةَ وَ يَبِيعُهُ،فَدَعَا إِلَى حَرْبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَجَابُوهُ،وَ كَانَ مَسْكَنُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ،وَ أَقْبَلَ بُخْتُنَصَّرَ وَ مَنْ أَجَابَهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،وَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ،فَلَمَّا بَلَغَ إِرْمِيَا إِقْبَالُهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،اسْتَقْبَلَهُ عَلَى حِمَارٍ لَهُ وَ مَعَهُ الْأَمَانُ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ بُخْتُ نَصَّرَ،فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِرْمِيَا مِنْ كَثْرَةِ جُنُودِهِ وَ أَصْحَابِهِ،فَصَيَّرَ الْأَمَانَ عَلَى قَصَبَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَ رَفَعَهَا،فَقَالَ:مَنْ أَنْتَ؟فَقَالَ:أَنَا أَرْمِيَا النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرْتُكَ بِأَنَّكَ سَيُسَلِّطُكَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ هَذَا أَمَانُكَ لِي.
فَقَالَ:أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَمَّنْتُكَ،وَ أَمَّا أَهْلُ بَيْتِكَ فَإِنِّي أَرْمِي مِنْ هَاهُنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَإِنْ وَصَلَتْ رَمْيَتِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلاَ أَمَانَ لَهُمْ عِنْدِي،وَ إِنْ لَمْ تَصِلْ فَهُمْ آمِنُونَ.وَ انْتَزَعَ قَوْسَهُ وَ رَمَى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَحَمَلَتِ الرِّيحُ النُّشَّابَةَ حَتَّى عَلَّقَتْهَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَقَالَ:لاَ أَمَانَ لَهُمْ عِنْدِي.
فَلَمَّا وَافَى نَظَرَ إِلَى جَبَلٍ مِنْ تُرَابٍ وَسَطَ الْمَدِينَةِ،وَ إِذَا دَمٌ يَغْلِي وَسْطَهُ،كُلَّمَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ خَرَجَ وَ هُوَ يَغْلِي،فَقَالَ:مَا هَذَا؟فَقَالُوا:هَذَا[دَمُ]نَبِيٍّ كَانَ لِلَّهِ،فَقَتَلَهُ مُلُوكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ دَمُهُ يَغْلِي،وَ كُلَّمَا أَلْقَيْنَا عَلَيْهِ التُّرَابَ خَرَجَ يَغْلِي.
[١] في المصدر زيادة:و أكل أكلة،و لم يوح إليه شيء،ثمّ صام سبعا.
[٢] في المصدر:في.
[٣] الزّمانة:مرض يدوم.«المعجم الوسط-زمن-١:٤٠١».
[٤] الزّمن:وصف من الزّمانة،أي مريض.
[٥] تاه:تحيّر أو تكبّر.«الصحاح-تيه-٦:٢٢٢٩».