البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩٣ - بقرة آيه ١٠٣- ١٠٢
وَ النَّوَاصِبُ مٰا تَتْلُوا مَا تَقْرَأُ اَلشَّيٰاطِينُ عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ وَ زَعَمُوا أَنَّ سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ السِّحْرِ وَ التَّدْبِيرِ وَ النِّيرَنْجَاتِ [١]،نَالَ مَا نَالَهُ مِنَ الْمُلْكِ الْعَظِيمِ،فَصَدُّوهُمْ بِهِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَ ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ الْمُلْحِدِينَ وَ النَّوَاصِبَ الْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي إِلْحَادِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَضَائِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ شَاهَدُوا مِنْهُ وَ مِنْ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمَا،أَفْضَى بَعْضُ الْيَهُودِ وَ النُّصَّابِ إِلَى بَعْضٍ،وَ قَالُوا:مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ طَالِبُ الدُّنْيَا بِحِيَلٍ وَ مَخَارِيقَ وَ سِحْرٍ وَ نِيرَنْجَاتٍ تَعَلَّمَهَا،وَ عَلَّمَ عَلِيّاً بَعْضَهَا،فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْنَا فِي حَيَاتِهِ،وَ يَعْقِدَ الْمُلْكَ لِعَلِيٍّ بَعْدَهُ،وَ لَيْسَ مَا يَقُولُهُ عَنِ اللَّهِ بِشَيْءٍ،إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ،فَيَعْقِدُ عَلَيْنَا وَ عَلَى ضُعَفَاءِ عِبَادِ اللَّهِ بِالسِّحْرِ وَ النِّيرَنْجَاتِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا.
وَ أَوْفَرُ النَّاسِ كَانَ حَظّاً مِنْ هَذَا السِّحْرِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ،الَّذِي مَلَكَ بِسِحْرِهِ الدُّنْيَا كُلَّهَا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الشَّيَاطِينِ،وَ نَحْنُ إِذَا تَعَلَّمْنَا بَعْضَ مَا كَانَ تَعَلَّمَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ،تَمَكَّنَّا مِنْ إِظْهَارِ مِثْلِ مَا يُظْهِرُهُ مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ، وَ ادَّعَيْنَا لِأَنْفُسِنَا بِمَا يَجْعَلُهُ مُحَمَّدٌ لِعَلِيٍّ،وَ قَدِ اسْتَغْنَيْنَا عَنِ الاِنْقِيَادِ لِعَلِيٍّ.
فَحِينَئِذٍ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْجَمِيعَ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّوَاصِبِ،فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ كِتٰابَ اللّٰهِ الْآمِرَ بِوَلاَيَةِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ [٢]فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ وَ اتَّبَعُوا مٰا تَتْلُوا كَفَرَةُ اَلشَّيٰاطِينُ مِنَ السِّحْرِ وَ النِّيرَنْجَاتِ عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بِهِ مَلَكَ،وَ نَحْنُ أَيْضاً بِهِ نُظْهِرُ الْعَجَائِبَ حَتَّى يَنْقَادَ لَنَا النَّاسُ،وَ نَسْتَغْنِي عَنِ الاِنْقِيَادِ لِعَلِيٍّ.
قَالُوا:وَ كَانَ سُلَيْمَانُ كَافِراً سَاحِراً مَاهِراً،بِسِحْرِهِ مَلَكَ مَا مَلَكَ،وَ قَدَرَ عَلَى مَا قَدَرَ،فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ،وَ قَالَ:
وَ مٰا كَفَرَ سُلَيْمٰانُ وَ لاَ اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ،كَمَا قَالَ هَؤُلاَءِ الْكَافِرُونَ وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّٰاسَ السِّحْرَ أَيْ بِتَعْلِيمِهِمُ النَّاسَ السِّحْرَ الَّذِي نَسَبُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ كَفَرُوا.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبٰابِلَ هٰارُوتَ وَ مٰارُوتَ قَالَ:كَفَرَ الشَّيَاطِينُ بِتَعْلِيمِهِمُ النَّاسَ السِّحْرَ،وَ بِتَعْلِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَ مَارُوتَ،اسْمُ الْمَلَكَيْنِ.
قَالَ الصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):وَ كَانَ بَعْدَ نُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَدْ كَثُرَ السَّحَرَةُ وَ الْمُمَوِّهُونَ،فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكَيْنِ إِلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِذِكْرِ مَا يَسْحَرُ بِهِ السَّحَرَةُ،وَ ذِكْرِ مَا يُبْطِلُ بِهِ سِحْرَهُمْ،وَ يَرُدُّ بِهِ كَيْدَهُمْ،فَتَلَقَّاهُ النَّبِيُّ عَنِ الْمَلَكَيْنِ،وَ أَدَّاهُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ،وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقِفُوا بِهِ عَلَى السِّحْرِ وَ أَنْ يُبْطِلُوهُ،وَ نَهَاهُمْ أَنْ يَسْحَرُوا بِهِ النَّاسَ،وَ هَذَا كَمَا يُدَلُّ عَلَى السَّمِّ مَا هُوَ،وَ عَلَى مَا يُدْفَعُ بِهِ غَائِلَةُ [٣] السَّمِّ،ثُمَّ يُقَالُ لِمُتَعَلِّمِ ذَلِكَ:هَذَا السَّمُّ فَمَنْ رَأَيْتَهُ سُمَّ فَادْفَعْ غَائِلَتَهُ بِكَذَا،وَ إِيَّاكَ أَنْ تَقْتُلَ بِالسَّمِّ أَحَداً.
ثُمَّ قَالَ: وَ مٰا يُعَلِّمٰانِ مِنْ أَحَدٍ وَ هُوَ أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ أَمَرَ الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَظْهَرَا لِلنَّاسِ بِصُورَةِ بَشَرَيْنِ،وَ يُعَلِّمَاهُمْ
[١] النّيرنج:أخذ كالسحر و ليس به،أي ليس،بحقيقته و لا كالسحر،إنّما هو تشبيه و تلبيس.«تاج العروس-نرج-٢:١٠٥».
[٢] سورة البقرة ٢:١٠١.
[٣] الغائلة:الشر،و المراد هنا:المضرّة.