البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٤٤ - بقرة آيه ١٥- ١٤
فَيَقُولُ الْأَوَّلُ لِأَصْحَابِهِ:كَيْفَ رَأَيْتُمْ سُخْرِيَّتِي بِهَؤُلاَءِ،وَ كَفِّي عَادِيَتَهُمْ عَنِّي وَ عَنْكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ:لاَ نَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عِشْتَ لَنَا.
فَيَقُولُ لَهُمْ:فَهَكَذَا فَلْتَكُنْ مُعَامَلَتُكُمْ لَهُمْ،إِلَى أَنْ تَنْتَهِزُوا الْفُرْصَةَ فِيهِمْ مِثْلَ هَذِهِ،فَإِنَّ اللَّبِيبَ الْعَاقِلَ مَنْ تَجَرَّعَ عَلَى الْغُصَّةِ [١] حَتَّى يَنَالَ الْفُرْصَةَ.
ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى أَخْدَانِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَمَرِّدِينَ الْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذِكْرٍ وَ تَفْضِيلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ نَصْبِهِ إِمَاماً عَلَى كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ قٰالُوا -لَهُمْ- إِنّٰا مَعَكُمْ فِيمَا وَاطَأَتْكُمْ عَلَيْهِ أَنْفُسُكُمْ،مِنْ دَفْعِ عَلِيٍّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ،إِنْ كَانَتْ لِمُحَمَّدٍ كَائِنَةٌ،فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ وَ لاَ يَهُولَنَّكُمْ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي مِنْ تَقْرِيظِهِمْ [٢]،وَ تَرَوْنِي أَجْتَرِئُ عَلَيْهِمْ مِنْ مُدَارَاتِهِمْ إِنَّمٰا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بِهِمْ.
فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:يَا مُحَمَّدُ اَللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ يُمْهِلُهُمْ فَيَتَأَنَّى بِهِمْ بِرِفْقِهِ،وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ،وَ يَعِدُهُمْ إِذَا تَابُوا الْمَغْفِرَةَ وَ هُمْ يَعْمَهُونَ لاَ يَرْعَوُونَ [٣]عَنْ قَبِيحٍ،وَ لاَ يَتْرُكُونَ أَذًى لِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا)يُمْكِنُهُمْ إِيصَالُهُ إِلَيْهِمَا إِلاَّ بَلَّغُوهُ.
قَالَ الْعَالِمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): فَأَمَّا اسْتِهْزَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَنَّهُ-مَعَ إِجْرَائِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ظَاهِرِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ،لِإِظْهَارِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ السَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ،وَ الْمُوَافَقَةِ-يَأْمُرُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالتَّعْرِيضِ لَهُمْ حَتَّى لاَ يَخْفَى عَلَى الْمُخْلِصِينَ مَنِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ،وَ يَأْمُرُ بِلَعْنِهِمْ.
وَ أَمَّا اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَقَرَّهُمْ فِي دَارِ اللَّعْنَةِ وَ الْهَوَانِ وَ عَذَّبَهُمْ بِتِلْكَ الْأَلْوَانِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْعَذَابِ،وَ أَقَرَّ هَؤُلاَءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِنَانِ بِحَضْرَةِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)صَفِيِّ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ أَطْلَعَهُمْ عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا،حَتَّى يَرَوْا مَا هُمْ فِيهِ مِنْ عَجَائِبِ اللَّعَائِنِ وَ بَدَائِعِ النَّقِمَاتِ،فَتَكُونُ لَذَّتُهُمْ وَ سُرُورُهُمْ بِشَمَاتَتِهِمْ بِهِمْ،كَمَا لَذَّتُهُمْ وَ سُرُورُهُمْ بِنَعِيمِهِمْ فِي جَنَّاتِ رَبِّهِمْ.
فَالْمُؤْمِنُونَ يَعْرِفُونَ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ وَ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ صِفَاتِهِمْ،وَ هُمْ عَلَى أَصْنَافٍ:مِنْهُمْ مَنْ هُوَ بَيْنَ أَنْيَابِ أَفَاعِيهَا تَمْضَغُهُ وَ تَفْتَرِسُهُ،وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ تَحْتَ سِيَاطِ زَبَانِيَتِهَا [٤] وَ أَعْمِدَتِهَا وَ مِرْزَبَاتِهَا [٥]،تَقَعُ مِنْ أَيْدِيهَا عَلَيْهِ مَا يُشَدِّدُ فِي عَذَابِهِ،وَ يُعَظِّمُ حُزْنَهُ وَ نَكَالَهُ،وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي بِحَارِ حَمِيمِهَا يُغْرَقُ،وَ يُسْحَبُ فِيهَا،وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي غِسْلِينِهَا [٦] وَ غَسَّاقِهَا [٧]،تَزْجُرُهُ فِيهَا زَبَانِيَتُهَا.وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي سَائِرِ أَصْنَافِ عَذَابِهَا.
[١] الغصّة:الشّجا في الحلق.«مجمع البحرين-غصص-٤:١٧٦».
[٢] التقريظ:مدح الإنسان و هو حيّ،بباطل أو حقّ.«الصحاح-قرظ-٣:١١٧٧».
[٣] ارعوى عنه:كفّ و ارتدع.«المعجم الوسيط-رعا-١:٣٥٥».
[٤] الزبانية عند العرب:الشرط،و سمّي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النّار إليها.«الصحاح-زبن-٥:٢١٣٠».
[٥] المرزبات:جمع مرزبة:و هي عصيّة من حديد،و هي أيضا المطرقة الكبيرة التي تكون للحدّاد.«لسان العرب-رزب-١:٤١٦ و ٤١٧».
[٦] الغسلين:غسالة أجواف أهل النّار،و كلّ جرح و دبر.«مجمع البحرين-غسل-٥:٤٣٤».
[٧] الغسّاق:ما يغسق من صديد أهل النّار،أي يسيل.«مجمع البحرين-غسق-٥:٢٢٣».