البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩٤ - بقرة آيه ١٠٣- ١٠٢
مَا عَلَّمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَ يَعِظَاهُمْ؛فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ مٰا يُعَلِّمٰانِ مِنْ أَحَدٍ ذَلِكَ السِّحْرَ وَ إِبْطَالَهُ حَتّٰى يَقُولاٰ لِلْمُتَعَلِّمِ: إِنَّمٰا نَحْنُ فِتْنَةٌ امْتِحَانٌ لِلْعِبَادِ؛لِيُطِيعُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ هَذَا،وَ يُبْطِلُوا بِهِ كَيْدَ السَّحَرَةِ،فَلاَ يَسْحَرُونَهُمْ [١].
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلاٰ تَكْفُرْ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا السِّحْرِ وَ طَلَبِ الْإِضْرَارِ بِهِ وَ دُعَاءِ النَّاسِ إِلَى أَنْ يَعْتَقِدُوا بِهِ أَنَّكَ تُحْيِي وَ تُمِيتُ،وَ تَفْعَلُ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى،فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَيَتَعَلَّمُونَ يَعْنِي طَالِبِي السِّحْرِ مِنْهُمٰا يَعْنِي مِمَّا كَتَبَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ مِنَ النِّيرَنْجَاتِ،وَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَ مَارُوتَ،فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ هَذَا يَتَعَلَّمُ لِلْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ،يَتَعَلَّمُونَ التَّفْرِيقَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْحِيَلِ وَ التَّمَائِمِ [٢]،وَ الْإِيهَامِ أَنَّهُ قَدْ دَفَنَ كَذَا وَ عَمِلَ كَذَا،لِيَغْضَبَ [٣] قَلْبُ الْمَرْأَةِ عَلَى [٤] الرَّجُلِ،وَ قَلْبُ الرَّجُلِ عَلَى [٥] الْمَرْأَةِ،وَ يُؤَدِّيَ إِلَى الْفِرَاقِ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّٰ بِإِذْنِ اللّٰهِ أَيْ مَا الْمُتَعَلِّمُونَ لِذَلِكَ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ،بِتَخْلِيَةِ [٦] اللَّهِ وَ عِلْمِهِ،فَإِنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمَنَعَهُمْ بِالْجَبْرِ وَ الْقَهْرِ.
ثُمَّ قَالَ: وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا تَعَلَّمُوا ذَلِكَ السِّحْرَ لِيَسْحَرُوا بِهِ وَ يَضُرُّوا،فَقَدْ تَعَلَّمُوا مَا يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ فِيهِ،بَلْ يَنْسَلِخُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَ لَقَدْ عَلِمُوا هَؤُلاَءِ الْمُتَعَلِّمُونَ لَمَنِ اشْتَرٰاهُ بِدِينِهِ الَّذِي يَنْسَلِخُ عَنْهُ بِتَعَلُّمِهِ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاٰقٍ نَصِيبٍ [٧] فِي ثَوَابِ الْجَنَّةِ.
وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ رَهَنُوهَا بِالْعَذَابِ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ أَيْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ بَاعُوا الْآخِرَةَ،وَ تَرَكُوا نَصِيبَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ،لِأَنَّ الْمُتَعَلِّمِينَ لِهَذَا السِّحْرِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لاَ رَسُولَ،وَ لاَ إِلَهَ،وَ لاَ بَعْثَ،وَ لاَ نُشُورَ.
فَقَالَ: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاٰقٍ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لاَ آخِرَةَ،وَ هُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ آخِرَةٌ فَلاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي دَارٍ بَعْدَ الدُّنْيَا،وَ إِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ فَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِهَا لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِيهَا.
ثُمَّ قَالَ: وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ،إِذْ [٨] بَاعُوا الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا،وَ رَهَنُوا بِالْعَذَابِ [٩]أَنْفُسَهُمْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَذَابِ،وَ لَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ،لِمَا تَرَكُوا [١٠]
[١] في المصدر:كيد الساحر و لا يسحروا لهم،و في«ط»نسخة بدل:كيد السحر و لا يسحروا لهم.
[٢] التمائم:جمع تميمة،و هي عوذة تعلّق على الإنسان.«الصحاح-تمم-٥:١٨٧٨».
[٣] في المصدر:ليجلب.
[٤] [٥] في المصدر:عن.
[٦] التخلية:الترك.«مجمع البحرين-خلا-١:١٢٩».
[٧] في المصدر:من نصيب.
[٨] في المصدر:أنفسهم بالعذاب إذا.
[٩] في المصدر زيادة:الدائم.
[١٠] في«ط»نسخة بدل:و قلما تركوا.