البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٨٨ - بقرة آيه ٩٨- ٩٧
وَ انْقِيَادِهِ [١] لِقَضَاءِ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي إِهْلاَكِ أَعْدَائِهِ عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. فَإِنَّهُ يَعْنِي جَبْرَئِيلَ نَزَّلَهُ يَعْنِي نَزَّلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ قَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ بِإِذْنِ اللّٰهِ بِأَمْرِ اللَّهِ،وَ هُوَ كَقَوْلِهِ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [٢].
مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مُوَافِقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ،وَ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ،وَ كُتُبِ شَيْثٍ وَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النُّورُ الْمُبِينُ،وَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ،وَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى،وَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا، وَ الشِّفَاءُ الْأَشْفَى،وَ الْفَضِيلَةُ الْكُبْرَى،وَ السَّعَادَةُ الْعُظْمَى،مَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ نَوَّرَهُ اللَّهُ،وَ مَنْ عَقَدَ بِهِ أُمُورَهُ [٣] عَصَمَهُ اللَّهُ، وَ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ أَنْقَذَهُ اللَّهُ،وَ مَنْ لَمْ يُفَارِقْ أَحْكَامَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ،وَ مَنِ اسْتَشْفَى بِهِ شَفَاهُ اللَّهُ،وَ مَنْ آثَرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ هَدَاهُ اللَّهُ،وَ مَنْ طَلَبَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ،وَ مَنْ جَعَلَهُ شِعَارَهُ وَ دِثَارَهُ [٤] أَسْعَدَهُ اللَّهُ،وَ مَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ، وَ مُعَوَّلَهُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ،آوَاهُ [٥] اللَّهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ،وَ الْعَيْشِ السَّلِيمِ.
فَلِذَلِكَ قَالَ: وَ هُدىً يَعْنِي هَذَا الْقُرْآنُ هُدًى وَ بُشْرىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي بِشَارَةً لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ،وَ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالرَّجُلِ الشَّاحِبِ،يَقُولُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:يَا رَبِّ،هَذَا أَظْمَأْتُ نَهَارَهُ،وَ أَسْهَرْتُ لَيْلَهُ،وَ قَوَّيْتُ فِي رَحْمَتِكَ طَمَعَهُ،وَ فَسَحْتُ فِي مَغْفِرَتِكَ أَمَلَهُ،فَكُنْ عِنْدَ ظَنِّي فِيكَ وَ ظَنِّهِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:أَعْطُوهُ الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ،وَ الْخُلْدَ بِشِمَالِهِ،وَ اقْرِنُوهُ بِأَزْوَاجِهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ،وَ اكْسُوا وَالِدَيْهِ حُلَّةً لاَ تَقُومُ لَهَا الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا.فَتَنْظُرُ إِلَيْهِمَا الْخَلاَئِقُ فَيْغِبُطونَهُمَا [٦]،وَ يَنْظُرَانِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا فَيَعْجَبَانِ مِنْهَا،وَ يَقُولاَنِ:يَا رَبَّنَا،أَنَّى لَنَا هَذِهِ وَ لَمْ تَبْلُغْهُمَا أَعْمَالُنَا؟! فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:وَ مَعَ هَذَا تَاجُ الْكَرَامَةِ،لَمْ يَرَ مِثْلَهُ الرَّاءُونَ،وَ لاَ يَسْمَعُ بِمِثْلِهِ السَّامِعُونَ،وَ لاَ يَتَفَكَّرُ فِي مِثْلِهِ الْمُتَفَكِّرُونَ.
فَيُقَالُ:هَذَا بِتَعْلِيمِكُمَا وَلَدَكُمَا الْقُرْآنَ،وَ تَبْصِيرِكُمَا إِيَّاهُ بِدِينِ الْإِسْلاَمِ،وَ رِيَاضَتِكُمَا [٧] إِيَّاهُ عَلَى حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ،وَ عَلِيٍّ وَلِيِّ اللَّهِ،وَ تَفْقِيهِكُمَا إِيَّاهُ بِفِقْهِهِمَا.لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ لِأَحَدٍ عَمَلاً إِلاَّ بِوَلاَيَتِهِمَا،وَ مُعَادَاةِ أَعْدَائِهِمَا، وَ إِنْ كَانَ مِلْءَ مَا بَيْنَ الثَّرَى إِلَى الْعَرْشِ ذَهَباً يُتَصَدَّقُ [٨] بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،فَتِلْكَ مِنَ الْبِشَارَاتِ الَّتِي يُبَشَّرُونَ بِهَا،
[١] في المصدر:و إنفاذه.
[٢] الشّعراء ٢٦:١٩٣-١٩٥.
[٣] في المصدر و«ط»نسخة بدل:و من اعتقد به في أموره.
[٤] الشّعار:الثوب الذي يلي الجسد،و الدّثار:الثياب التي فوق الشّعار.و المراد هنا:ممارسته و مزاولته و المداومة عليه ظاهرا و باطنا.
[٥] يقال:أنت معوّلي:أي ثقتي و معتمدي.«مجمع البحرين-عول-٥:٤٣٢»،و في«ط»نسخة بدل:و معاده الذي ينتهي إليه أراه.
[٦] الغبطة:أن تتمنّى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه،و ليس بحسد.«الصحاح-غبط-٣:١١٤٦»،و في المصدر و«ط»: فيعظمونهما.
[٧] في«ط»نسخة بدل:رياضاتكما.
[٨] في المصدر:تصدق.