البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٤ - بقرة آيه ٦٦- ٦٣
وَ الْغُدْرَانِ،فَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْيَوْمِ هَمَّتْ بِالرُّجُوعِ مِنْهَا إِلَى اللُّجَجِ لِتَأْمَنَ مِنْ صَائِدِهَا،فَرَامَتِ الرُّجُوعَ فَلَمْ تَقْدِرْ، وَ بَقِيَتْ لَيْلَهَا [١] فِي مَكَانٍ يَتَهَيَّأُ أَخْذُهَا بِلاَ اصْطِيَادٍ لاِسْتِرْسَالِهَا فِيهِ،وَ عَجْزِهَا عَنِ الاِمْتِنَاعِ لِمَنْعِ الْمَكَانِ لَهَا،فَكَانُوا يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ،وَ يَقُولُونَ:مَا اصْطَدْنَا يَوْمَ السَّبْتِ،وَ إِنَّمَا اصْطَدْنَا فِي الْأَحَدِ،وَ كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ،بَلْ كَانُوا آخِذِينَ لَهَا بِأَخَادِيدِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ حَتَّى كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ مَالُهُمْ وَ ثَرَاؤُهُمْ،وَ تَنَعَّمُوا بِالنِّسَاءِ وَ غَيْرِهَا لاِتِّسَاعِ أَيْدِيهِمْ [٢].
وَ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ نَيِّفاً وَ ثَمَانِينَ أَلْفاً،فَعَلَ هَذَا مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً،وَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الْبَاقُونَ،كَمَا قَصَّ اللَّهُ:
وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كٰانَتْ حٰاضِرَةَ الْبَحْرِ [٣] الْآيَةَ؛وَ ذَلِكَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَعَظُوهُمْ وَ زَجَرُوهُمْ،وَ مِنْ عَذَابِ [٤] اللَّهِ خَوَّفُوهُمْ،وَ مِنِ انْتِقَامِهِ وَ شَدِيدِ بَأْسِهِ حَذَّرُوهُمْ،فَأَجَابُوهُمْ عَنْ وَعْظِهِمْ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّٰهُ مُهْلِكُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ هَلاَكَ الاِصْطِلاَمِ [٥]: أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذٰاباً شَدِيداً .
أَجَابُوا الْقَائِلِينَ هَذَا لَهُمْ: مَعْذِرَةً إِلىٰ رَبِّكُمْ إِذْ كَلَّفَنَا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ،فَنَحْنُ نَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ لِيَعْلَمَ رَبُّنَا مُخَالَفَتَنَا لَهُمْ،وَ كَرَاهَتَنَا لِفِعْلِهِمْ،قَالُوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [٦]وَ نَعِظُهُمْ أَيْضاً لَعَلَّهُ تَنْجَعُ [٧] فِيهِمْ الْمَوَاعِظُ،فَيَتَّقُونَ هَذِهِ الْمُوبِقَةَ،وَ يَحْذَرُونَ عُقُوبَتَهَا.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فَلَمّٰا عَتَوْا حَادُوا وَ أَعْرَضُوا وَ تَكَبَّرُوا عَنْ قَبُولِهِمُ الزَّجْرَ عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ [٨]مُبْعَدِينَ عَنِ الْخَيْرِ،مُقْصَيْنَ [٩].
قَالَ:فَلَمَّا نَظَرَ الْعَشَرَةُ آلاَفٍ وَ النَّيِّفُ أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفاً لاَ يَقْبَلُونَ مَوَاعِظَهُمْ،وَ لاَ يَحْفِلُونَ [١٠] بِتَخْوِيفِهِمْ إِيَّاهُمْ وَ تَحْذِيرِهِمْ لَهُمْ،اعْتَزَلُوهُمْ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى قَرِيبَةٍ مِنْ قَرْيَتِهِمْ،وَ قَالُوا:نَكْرَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللَّهِ،وَ نَحْنُ فِي خِلاَلِهِمْ؛فَأَمْسَوْا لَيْلَةً،فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّهُمْ قِرَدَةً،وَ بَقِيَ بَابُ الْمَدِينَةِ مُغْلَقاً لاَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَحَدٌ،وَ لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ.
وَ تَسَامَعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْقُرَى فَقَصَدُوهُمْ،وَ تَسَنَّمُوا [١١] حِيطَانَ الْبَلَدِ،فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ،فَإِذَا كُلُّهُمْ رِجَالُهُمْ وَ نِسَاؤُهُمْ قِرَدَةٌ،يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ،يَعْرِفُ هَؤُلاَءِ النَّاظِرُونَ مَعَارِفَهُمْ وَ قَرَابَاتِهِمْ وَ خُلَطَاءَهُمْ،يَقُولُ الْمُطَّلِعُ
[١] في المصدر:و أبقيت ليلتها.
[٢] في المصدر زيادة:به.
[٣] الأعراف ٧:١٦٣.
[٤] في«س»:و عذاب.
[٥] الاصطلام:الاستئصال.«الصحاح-صلم-٥:١٩٦٧».
[٦] الأعراف ٧:١٦٦.
[٧] نجع فيه الخطاب و الوعظ و الدواء:أي دخل و أثر.«الصحاح-نجع-٣:١٢٨٨».
[٨] الأعراف ٧:١٦٦.
[٩] المقصى:المبعد.«الصحاح-قصا-٦ لا ٢٤٦٢».
[١٠] لا يحفل:لا يبالي.«الصحاح-حفل-٤:١٦٧١».
[١١] تسنّمه:علاه.«الصحاح-سنم-٥:١٩٥٥».