البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٣ - بقرة آيه ٦٦- ٦٣
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ يَعْنِي تَوَلَّى أَسْلاَفُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ،وَ الْوَفَاءِ بِمَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ فَلَوْ لاٰ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ يَعْنِي عَلَى أَسْلاَفِكُمْ،لَوْ لاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِإِمْهَالِهِ إِيَّاهُمْ لِلتَّوْبَةِ، وَ إِنْظَارِهِمْ لِمَحْوِ الْخَطِيئَةِ بِالْإِنَابَةِ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخٰاسِرِينَ الْمَغْبُونِينَ،قَدْ خَسِرْتُمُ الْآخِرَةَ وَ الدُّنْيَا،لِأَنَّ الْآخِرَةَ فَسَدَتْ عَلَيْكُمْ بِكُفْرِكُمْ،وَ الدُّنْيَا كَانَ لاَ يَحْصُلُ لَكُمْ نَعِيمُهَا لاِخْتِرَامِنَا [١] لَكُمْ،وَ تَبْقَى عَلَيْكُمْ حَسَرَاتُ نُفُوسِكُمْ وَ أَمَانِيِّكُمُ الَّتِي اقْتَطَعْتُمْ دُونَهَا،وَ لَكِنَّا أَمْهَلْنَاكُمْ لِلتَّوْبَةِ،وَ أَنْظَرْنَاكُمْ لِلْإِنَابَةِ،أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَسْلاَفِكُمْ،فَتَابَ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ،فَسَعِدَ،وَ خَرَجَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ قُدِّرَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ الذُّرِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي تَطَيَّبَ فِي الدُّنْيَا بِاللَّهِ مَعِيشَتُهَا،وَ تَشَرَّفَ فِي الْآخِرَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَرْتَبَتُهَا.
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ):أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا دَعَوُا اللَّهَ بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ،وَ صِحَّةِ اعْتِقَادِهِمْ مِنْ قُلُوبِهِمْ،أَنْ يَعْصِمَهُمْ حَتَّى لاَ يُعَانِدُوهُ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ،لَفَعَلَ ذَلِكَ بِجُودِهِ وَ كَرَمِهِ،وَ لَكِنَّهُمْ قَصَّرُوا وَ آثَرُوا الْهَوَى بِنَا،وَ مَضَوْا مَعَ الْهَوَى فِي طَلَبِ لَذَّاتِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ لَمَّا اصْطَادُوا السَّمَكَ [٢] فِيهِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ مُبْعَدِينَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ فَجَعَلْنٰاهٰا أَيْ جَعَلْنَا تِلْكَ الْمَسْخَةَ الَّتِي أَخْزَيْنَاهُمْ وَ لَعَنَّاهُمْ بِهَا نَكٰالاً عِقَاباً وَ رَدْعاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهٰا بَيْنَ يَدَيِ الْمَسْخَةِ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُوبِقَاتِ [٣] الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الْعُقُوبَاتِ وَ مٰا خَلْفَهٰا لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَاهَدُوهُمْ بَعْدَ مَسْخِهِمْ يَرْتَدِعُونَ عَنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِمْ لَمَّا شَاهَدُوا مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عِقَابِنَا [٤]وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يَتَّعِظُونَ بِهَا،فَيُفَارِقُونَ الْمُحَرَّمَاتِ [٥] وَ يَعِظُونَ بِهَا النَّاسَ،وَ يُحَذِّرُونَهُمُ الْمُؤْذِيَاتِ [٦].
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):كَانَ هَؤُلاَءِ قَوْماً يَسْكُنُونَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ،نَهَاهُمْ اللَّهُ وَ أَنْبِيَاؤُهُ عَنِ اصْطِيَادِ السَّمَكِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ،فَتَوَصَّلُوا إِلَى حِيلَةٍ لِيُحِلُّوا بِهَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ،فَخَدُّوا أَخَادِيدَ،وَ عَمِلُوا طُرُقاً تُؤَدِّي إِلَى حِيَاضٍ،يَتَهَيَّأُ لِلْحِيتَانِ الدُّخُولُ فِيهَا مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ،وَ لاَ يَتَهَيَّأُ لَهَا الْخُرُوجُ إِذَا هَمَّتْ بِالرُّجُوعِ مِنْهَا إِلَى اللُّجَجِ [٧].
فَجَاءَتِ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ جَارِيَةً عَلَى أَمَانِ اللَّهِ لَهَا،فَدَخَلَتِ الْأَخَادِيدَ وَ حَصَلَتْ [٨] فِي الْحِيَاضِ
[١] اخترمهم الدهر:أي اقتطعهم و استأصلهم.«الصحاح-خرم-٥:١٩١٠».
[٢] في المصدر:السموك،و السموك:جمع سمك، واحدتها سمكّة.«الصحاح-سمك-٤:١٥٩٢».
[٣] موبقات الذنوب:أي مهلكاتها.«مجمع البحرين-وبق-٥:٢٤٣».
[٤] في«س»و«ط»:عقابها.
[٥] في المصدر:المخزيات.
[٦] في المصدر:المرديات.
[٧] اللّجج:جمع لجّة!و لجّة الماء:معظمه.«الصحاح-لجج-١:٣٣٨».
[٨] حصّلت:تجمّعت و ثبتت.«القاموس المحيط-حصل-٣:٣٦٨».