البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٨٨ - بقرة آيه ٢١٦
يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى صَرْفِ انْتِقَامِهِ مِنْ مُخَالِفِيهِ،وَ قَادِرٌ عَلَى إِثَابَةِ الْمُوَافِقِينَ لِدِينِهِ وَ الْمُصَدِّقِينَ لِنَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى صَرْفِ ثَوَابِهِ عَنْ مُطِيعِيهِ،حَكِيمٌ فِيمَا يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ،غَيْرُ مُسْرِفٍ عَلَى مَنْ أَطَاعَهُ وَ إِنْ أَكْثَرَ لَهُ الْخَيْرَاتِ، وَ لاَ وَاضِعٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَ إِنْ أَتَمَّ لَهُ الْكَرَامَاتِ،وَ لاَ ظَالِمٌ لِمَنْ عَصَاهُ وَ إِنْ شُدِّدَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَاتُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ):وَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَ غَيْرِهَا احْتَجَّ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَوْمَ الشُّورَى عَلَى مَنْ دَافَعَهُ عَنْ حَقِّهِ،وَ أَخَّرَهُ عَنْ رُتْبَتِهِ،وَ إِنْ كَانَ مَا ضَرَّ الدَّافِعُ إِلاَّ نَفْسَهُ،فَإِنَّ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كَالْكَعْبَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِاسْتِقْبَالِهَا لِلصَّلاَةِ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا،كَمَا لاَ يَنْقُصُ الْكَعْبَةُ،وَ لاَ يَقْدَحُ فِي شَيْءٍ مِنْ شَرَفِهَا وَ فَضْلِهَا إِنْ وَلَّى عَنْهَا الْكَافِرُونَ،فَكَذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ فِي عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ حَقِّهِ الْمُقَصِّرُونَ،وَ دَافَعَهُ عَنْ وَاجِبِهِ الظَّالِمُونَ.
قَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَوْمَ الشُّورَى فِي بَعْضِ مَقَالِهِ بَعْدَ أَنْ أَعْذَرَ وَ أَنْذَرَ،وَ بَالَغَ وَ أَوْضَحَ:مَعَاشِرَ الْأَوْلِيَاءِ الْعُقَلاَءِ،أَ لَمْ يَنْهَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ تَجْعَلُوا لَهُ أَنْدَاداً مِمَّنْ لاَ يَعْقِلُ وَ لاَ يَسْمَعُ وَ لاَ يُبْصِرُ وَ لاَ يَفْهَمُ؟أَ وَ لَمْ يَجْعَلْنِي رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِدِينِكُمْ وَ دُنْيَاكُمْ قَوَّاماً؟أَ وَ لَمْ يَجْعَلْ إِلَيَّ مَفْزَعَكُمْ؟أَ وَ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ:عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَهُ؟أَ وَ لَمْ يَقُلْ:أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا؟أَ وَ لاَ تَرَوْنِي غَنِيّاً عَنْ عُلُومِكُمْ وَ أَنْتُمْ إِلَى عِلْمِي مُحْتَاجُونَ؟أَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ بِاتِّبَاعِ مَنْ لاَ يَعْلَمُ،أَمْ مَنْ لاَ يَعْلَمُ بِاتِّبَاعِ مَنْ يَعْلَمُ؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ،لِمَ تَنْقُضُونَ تَرْتِيبَ الْأَلْبَابِ،لِمَ تُؤَخِّرُونَ مَنْ قَدَّمَهُ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ؟أَ وَ لَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَجَابَنِي إِلَى مَا رَدَّ عَنْهُ أَفْضَلَكُمْ؛فَاطِمَةَ لَمَّا خَطَبَهَا؟أَ وَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَنِي أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ لَمَّا أَطْعَمَنِي مَعَهُ مِنَ الطَّائِرِ؟أَ وَ لَيْسَ جَعَلَنِي أَقْرَبَ الْخَلْقِ شَبَهاً بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟أَ فَأَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً تُؤَخِّرُونَ،وَ أَبْعَدَ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً تُقَدِّمُونَ،مَا لَكُمْ لاَ تَتَفَكَّرُونَ وَ لاَ تَعْقِلُونَ»؟! قَالَ:«فَمَا زَالَ يَحْتَجُّ بِهَذَا وَ نَحْوِهِ عَلَيْهِمْ وَ هُمْ لاَ يَغْفُلُونَ عَمَّا دَبَّرُوهُ،وَ لاَ يَرْضَوْنَ إِلاَّ بِمَا آثَرُوهُ»!
قوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ[٢١٦]
٩٩- _١- (دَعَائِمُ الْإِسْلاَمِ):عَنْ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَنَّهُ قَالَ: «الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ فَإِنْ قَامَتْ بِالْجِهَادِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسِعَ سَائِرَهُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ مَا لَمْ يَحْتَجِ الَّذِينَ يَلُونَ الْجِهَادَ إِلَى الْمَدَدِ،فَإِنِ احْتَاجُوا لَزِمَ الْجَمِيعَ أَنْ يُمِدُّوهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [١]فَإِنْ دَهَمَ أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ نَفَرُوا كُلُّهُمْ،قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:
[١] التوبة ٩:١٢٢.