البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٦٨ - بقرة آيه ٢٨٦- ٢٨٤
فَرَأَى عَظَمَةَ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِفُؤَادِهِ،وَ لَمْ يَرَهَا بِعَيْنِهِ،فَكَانَ كَقَابِ قَوْسَيْنِ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ [١]فَكَانَ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ،قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وَ كَانَتِ الْآيَةُ قَدْ عُرِضَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ عُرِضَتْ عَلَى الْأُمَمِ فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا مِنْ ثِقْلِهَا،وَ قَبِلَهَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ عَرَضَهَا عَلَى أُمَّتِهِ فَقَبِلُوهَا،فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْهُمُ الْقَبُولَ عَلِمَ أَنَّهُمْ لاَ يُطِيقُونَهَا،فَلَمَّا أَنْ سَارَ إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ كَرَّرَ عَلَيْهِ الْكَلاَمَ لِيَفْهَمَهُ،فَقَالَ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ،فَأَجَابَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مُجِيباً عَنْهُ وَ عَنْ أُمَّتِهِ،فَقَالَ:
وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ مَلاٰئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاٰ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:لَهُمُ الْجَنَّةُ وَ الْمَغْفِرَةُ عَلَيَّ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ،فَقَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَمَّا إِذَا فَعَلْتَ بِنَا ذَلِكَ غُفْرٰانَكَ رَبَّنٰا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ يَعْنِي الْمَرْجِعَ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ:فَأَجَابَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:وَ قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ وَ بِأُمَّتِكَ.ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ:أَمَّا إِذَا قَبِلْتَ الْآيَةَ بِتَشْدِيدِهَا وَ عِظَمِ مَا فِيهَا،وَ قَدْ عَرَضْتُهَا عَلَى الْأُمَمِ فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا،وَ قَبِلَتْهَا أُمَّتُكَ،فَحَقٌّ عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَهَا عَنْ أُمَّتِكَ.وَ قَالَ: لاٰ يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا لَهٰا مٰا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ وَ عَلَيْهٰا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرٍّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ:أَمَّا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِي وَ بِأُمَّتِي فَزِدْنِي.قَالَ:سَلْ.قَالَ: رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا ،قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:لَسْتُ أُوآخِذُ أُمَّتَكَ بِالنِّسْيَانِ وَ الْخَطَأِ لِكَرَامَتِكَ عَلَيَّ،وَ كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْتُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْعَذَابِ،وَ قَدْ رَفَعْتُ [٢] ذَلِكَ عَنْ أُمَّتِكَ،وَ كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا أَخْطَأُوا أُخِذُوا بِالْخَطَإِ وَ عُوقِبُوا عَلَيْهِ،وَ قَدْ رَفَعْتُ ذَلِكَ عَنْ أُمَّتِكَ لِكَرَامَتِكَ عَلَيَّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اَللَّهُمَّ إِذَا أَعْطَيْتَنِي ذَلِكَ فَزِدْنِي.فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ:سَلْ.قَالَ: رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا ،يَعْنِي بِالْإِصْرِ:اَلشَّدَائِدِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِنَا.فَأَجَابَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى ذَلِكَ،فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:قَدْ رَفَعْتُ عَنْ أُمَّتِكَ الْآصَارَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِنَا.فَأَجَابَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى ذَلِكَ،فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:قَدْ رَفَعْتُ عَنْ أُمَّتِكَ الْآصَارَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ:كُنْتُ لاَ أَقْبَلُ صَلاَتَهُمْ إِلاَّ فِي بِقَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ مَعْلُومَةٍ [٣] اخْتَرْتُهَا لَهُمْ وَ إِنْ بَعُدَتْ،وَ قَدْ جَعَلْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِأُمَّتِكَ مَسْجِداً وَ تُرَابَهَا طَهُوراً،فَهَذِهِ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَكَ،فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ كَرَامَةً لَكَ.
وَ كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا أَصَابَهُمْ أَذًى مِنْ نَجَاسَةٍ قَرَضُوهُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ،وَ قَدْ جَعَلْتُ الْمَاءَ لِأُمَّتِكَ طَهُوراً، فَهَذِهِ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ،فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ.
وَ كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ تَحْمِلُ قَرَابِينَهَا عَلَى أَعْنَاقِهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَمَنْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْهُ أَرْسَلْتُ عَلَيْهِ نَاراً
[١] النجم ٥٣:١٠.
[٢] في المصدر:دفعت.
[٣] في المصدر:بقاع معلومة من الأرض.