البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤١ - بقرة آيه ٧٣- ٦٧
مَنَعَهُ مِنْهُ بِآفَةٍ أَوْ دَاهِيَةٍ حَتَّى يَكُفَّهُ عَنْهُ،فَيَكُفُّ اضْطِرَاراً.
فَلَمَّا قَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لِلْفَتَى ذَلِكَ،وَ صَارَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ لِمَقَالَتِهِ حَافِظاً،قَالَ هَذَا الْمَنْشُورُ،اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَا سَأَلَكَ هَذَا الْفَتَى مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَ التَّوَسُّلِ بِهِمْ أَنْ تُبْقِيَنِي فِي الدُّنْيَا مُتَمَتِّعاً بِابْنَةِ عَمِّي،وَ تجزي [تُخْزِيَ] عَنِّي أَعْدَائِي وَ حُسَّادِي وَ تَرْزُقَنِي فِيهَا خَيْراً كَثِيراً طَيِّباً.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:يَا مُوسَى،إِنَّهُ كَانَ لِهَذَا الْفَتَى الْمَنْشُورِ بَعْدَ الْقَتْلِ سِتُّونَ سَنَةً،وَ قَدْ وَهَبْتُهُ بِمَسْأَلَتِهِ [١] وَ تَوَسُّلِهِ بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ سَبْعِينَ سَنَةً،تَمَامَ مِائَةٍ وَ ثَلاَثِينَ سَنَةً صَحِيحَةً حَوَاسُّهُ،ثَابِتٌ فِيهَا جَنَانُهُ،قَوِيَّةٌ فِيهَا شَهَوَاتُهُ، يُمَتَّعُ بِحَلاَلِ هَذِهِ الدُّنْيَا،وَ يَعِيشُ وَ لاَ يُفَارِقُهَا وَ لاَ تُفَارِقُهُ،فَإِذَا حَانَ حِينُهُ حَانَ حِينُهَا وَ مَاتَا جَمِيعاً مَعاً فَصَارَا إِلَى جَنَّاتِي،وَ كَانَا زَوْجَيْنِ فِيهَا نَاعِمَيْنِ.
وَ لَوْ سَأَلَنِي-يَا مُوسَى-هَذَا الشَّقِيُّ الْقَاتِلُ بِمِثْلِ مَا تَوَسَّلَ بِهِ هَذَا الْفَتَى عَلَى صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ أَنْ أَعْصِمَهُ مِنَ الْحَسَدِ،وَ أُقْنِعَهُ بِمَا رَزَقْتُهُ-وَ ذَلِكَ هُوَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ-لَفَعَلْتُ.
وَ لَوْ سَأَلَنِي بَعْدَ ذَلِكَ [٢] مَعَ التَّوْبَةِ عَنْ صَنِيعِهِ أَنْ لاَ أُفْضِحَهُ لَمَا فَضَحْتُهُ [٣]،وَ لَصَرَفْتُ هَؤُلاَءِ عَنِ اقْتِرَاحِ إِبَانَةِ الْقَاتِلِ،وَ لَأَغْنَيْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِقَدْرِ هَذَا الْمَالِ.
وَ لَوْ سَأَلَنِي بَعْدَ مَا افْتَضَحَ،وَ تَابَ إِلَيَّ،وَ تَوَسَّلَ بِمِثْلِ وَسِيلَةِ هَذَا الْفَتَى أَنْ أُنْسِيَ النَّاسَ فِعْلَهُ-بَعْدَ مَا أَلْطُفُ لِأَوْلِيَائِهِ فَيَعْفُونَ عَنِ الْقِصَاصِ-فَعَلْتُ،فَكَانَ لاَ يُعَيِّرُهُ أَحَدٌ بِفِعْلِهِ،وَ لاَ يَذْكُرُهُ فِيهِمْ ذَاكِرٌ،وَ لَكِنْ ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ،وَ أَنَا الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [٤].
فَلَمَّا ذَبَحُوهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَبَحُوهٰا وَ مٰا كٰادُوا يَفْعَلُونَ فَأَرَادُوا أَنْ لاَ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مِنْ عِظَمِ ثَمَنِ الْبَقَرَةِ، وَ لَكِنَّ اللَّجَاجَ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ،وَ اتِّهَامَهُمْ لِمُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)حَدَأَهُمْ [٥] عَلَيْهِ».
قَالَ:«فَضَجُّوا إِلَى مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالُوا:اِفْتَقَرَتِ الْقَبِيلَةُ وَ دُفِعَتْ [٦] إِلَى التَّكَفُّفِ [٧]،فَانْسَلَخْنَا بِلَجَاجِنَا عَنْ قَلِيلِنَا وَ كَثِيرِنَا،فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِسَعَةِ الرِّزْقِ.
فَقَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):وَيَحْكُمْ مَا أَعْمَى قُلُوبَكُمْ!أَ مَا سَمِعْتُمْ دُعَاءَ الْفَتَى صَاحِبِ الْبَقَرَةِ،وَ مَا أَوْرَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْغِنَى؟أَ وَ مَا سَمِعْتُمْ دُعَاءَ الْمَقْتُولِ الْمَنْشُورِ،وَ مَا أَثْمَرَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ الطَّوِيلِ وَ السَّعَادَةِ وَ التَّنَعُّمِ [٨] بِحَوَاسِّهِ وَ سَائِرِ
[١] في«س»:بمسألتي.
[٢] في المصدر:بذلك.
[٣] في«س»:أفضحته.
[٤] في المصدر: و أنا ذو الفضل العظيم،و أعدل بالمنع على من أشاء،و أنا العزيز الحكيم.
[٥] حدأت إليه:أي لجأت إليه.«الصحاح-حدأ-١:٤٣»،و في«ط»:جرّهم.
[٦] في«س»و«ط»:رفعت.
[٧] تكفّف:مدّ كفّه يسأل النّاس.«الصحاح-كفف-٤:١٤٢٣».
[٨] في المصدر زيادة:و التمتع.