البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٢٣ - بقرة آيه ١٢٤
وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ،بَيَّنَ فِيهِ الْحَلاَلَ وَ الْحَرَامَ،وَ الْحُدُودَ وَ الْأَحْكَامَ،وَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلاً،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ [١]وَ أَنْزَلَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَ هِيَ آخِرُ عُمُرِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً [٢]فَأَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ،وَ لَمْ يَمْضِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ تَمَامَ دِينِهِمْ [٣]،وَ أَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيلَهُمْ،وَ تَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْحَقِّ،وَ أَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَماً وَ إِمَاماً،وَ مَا تَرَكَ شَيْئاً تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلاَّ بَيَّنَهُ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ وَ مَنْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ،هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَ مَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ،فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ؟!إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً،وَ أَعْظَمُ شَأْناً،وَ أَعْلَى مَكَاناً،وَ أَمْنَعُ جَانِباً، وَ أَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ،أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ،أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ.
إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَعْدَ النُّبُوَّةِ،وَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً،وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا،وَ أَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً فَقَالَ الْخَلِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَسْرُوراً [٤] بِهَا: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَصَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)»الْحَدِيثَ.
٩٩-/٦٠٨ _٦- الْعَيَّاشِيُّ:رَوَاهُ بِأَسَانِيدَ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ،قَالَ: كُنَّا بِمَكَّةَ فَجَرَى الْحَدِيثُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ:أَتَمَّهُنَّ بِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ)فِي قَوْلِ اللَّهِ:
ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [٥] ،ثُمَّ قَالَ: إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ قَالَ:يَا رَبِّ،وَ يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ظَالِمٌ؟قَالَ:نَعَمْ،فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ وَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ.
قَالَ:يَا رَبِّ،فَاجْعَلْ [٦] لِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ مَا وَعَدْتَنِي فِيهِمَا،وَ عَجِّلْ نَصْرَكَ لَهُمَا،وَ إِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْنٰاهُ فِي الدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّٰالِحِينَ [٧]فَالْمِلَّةُ:
الْإِمَامَةُ.
فَلَمَّا أَسْكَنَ ذُرِّيَّتَهُ بِمَكَّةَ،قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هٰذٰا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرٰاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [٨]،فَاسْتَثْنَى مَنْ آمَنَ خَوْفاً أَنْ يَقُولَ لَهُ:لاَ،كَمَا قَالَ لَهُ فِي الدَّعْوَةِ الْأُولَى:
[١] الأنعام ٦:٣٨.
[٢] المائدة ٥:٣.
[٣] في المصدر:معالم دينهم.
[٤] في المصدر:سرورا.
[٥] آل عمران ٣:٣٤.
[٦] في المصدر:فعجل.
[٧] البقرة ٢:١٣٠.
[٨] البقرة ٢:١٢٦.