البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٧ - بقرة آيه ٧٣- ٦٧
وَ تَضْرِبُونَ بِبَعْضِهَا هَذَا الْمَقْتُولَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لِيَقُومَ حَيّاً سَوِيّاً بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ يُخْبِرَكُمْ بِقَاتِلِهِ؛وَ ذَلِكَ حِينَ أُلْقِيَ الْقَتِيلُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
فَأَلْزَمَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَهْلَ الْقَبِيلَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْ أَمَاثِلِهِمْ [١] بِاللَّهِ الْقَوِيِّ الشَّدِيدِ إِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ،مُفَضِّلِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ عَلَى الْبَرَايَا أَجْمَعِينَ:إِنَّا مَا قَتَلْنَاهُ،وَ لاَ عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلاً،فَإِنْ حَلَفُوا بِذَلِكَ غَرِمُوا دِيَةَ الْمَقْتُولِ،وَ إِنْ نَكَلُوا نَصُّوا عَلَى الْقَاتِلِ،أَوْ أَقَرَّ الْقَاتِلُ فَيُقَادُ [٢] مِنْهُ،فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أُحْبِسُوا فِي مَحْبَسٍ ضَنْكٍ إِلَى أَنْ يَحْلِفُوا،أَوْ يُقِرُّوا،أَوْ يَشْهَدُوا عَلَى الْقَاتِلِ.
فَقَالُوا:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،أَ مَا وَقَتْ [٣] أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا،وَ لاَ أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا؟قَالَ:لاَ،هَذَا حُكْمُ اللَّهِ.
وَ كَانَ السَّبَبُ أَنَّ امْرَأَةً حَسْنَاءَ ذَاتَ جَمَالٍ،وَ خُلُقٍ كَامِلٍ،وَ فَضْلٍ بَارِعٍ،وَ نَسَبٍ شَرِيفٍ،وَ سَتْرٍ ثَخِينٍ؛كَثُرَ خُطَّابُهَا،وَ كَانَ لَهَا بَنُو أَعْمَامٍ ثَلاَثَةٍ،فَرَضِيَتْ بِأَفْضَلِهِمْ عِلْماً،وَ أَثْخَنِهِمْ سِتْراً،وَ أَرَادَتِ التَّزْوِيجَ[بِهِ]،فَاشْتَدَّ حَسَدُ ابْنَيْ عَمِّهِ الْآخَرَيْنِ لَهُ،وَ غَبَطَاهُ [٤] عَلَيْهَا،لِإِيثَارِهَا مَنْ آثَرَتْهُ [٥]،فَعَمَدَا إِلَى ابْنِ عَمِّهَا الْمَرْضِيِّ فَأَخَذَاهُ إِلَى دَعْوَتِهِمَا، ثُمَّ قَتَلاَهُ وَ حَمَلاَهُ إِلَى مَحَلَّةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَكْبَرِ قَبِيلَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَأَلْقَيَاهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَيْلاً،فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَدُوا الْقَتِيلَ هُنَاكَ،فَعُرِفَ حَالُهُ،فَجَاءَ ابْنَا عَمِّهِ الْقَاتِلاَنِ،فَمَزَّقَا ثِيَابَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا،وَ حَثَيَا التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمَا، وَ اسْتَعْدَيَا [٦] عَلَيْهِمْ،فَأَحْضَرَهُمْ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ سَأَلَهُمْ،فَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا قَتَلُوهُ،أَوْ عَلِمُوا قَاتِلَهُ».
قَالَ:«فَحَكَمَ اللَّهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْحَادِثَةَ مَا عَرَفْتُمُوهُ فَالْتَزَمُوهُ،فَقَالُوا:يَا مُوسَى،أَيُّ نَفْعٍ فِي أَيْمَانِنَا لَنَا،إِذَا لَمْ تَدْرَأْ عَنَّا الْأَيْمَانُ الْغَرَامَةَ الثَّقِيلَةَ؟أَمْ أَيُّ نَفْعٍ لَنَا فِي غَرَامَتِنَا إِذَا لَمْ تَدْرَأْ عَنَّا الْأَيْمَانَ؟فَقَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):كُلُّ النَّفْعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ،وَ الاِئْتِمَارِ [٧] لِأَمْرِهِ،وَ الاِنْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ.
فَقَالُوا:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،غُرْمٌ [٨] ثَقِيلٌ وَ لاَ جِنَايَةَ لَنَا،وَ أَيْمَانٌ غَلِيظَةٌ وَ لاَ حَقَّ فِي رِقَابِنَا،لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَرَّفَنَا قَاتِلَهُ بِعَيْنِهِ،وَ كَفَانَا مَئُونَتَهُ،فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا هَذَا الْقَاتِلَ لِتَنْزِلَ بِهِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْعِقَابِ،وَ يَنْكَشِفُ أَمْرُهُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ.
فَقَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ بَيَّنَ مَا أَحْكُمُ بِهِ فِي هَذَا،فَلَيْسَ لِي أَنْ أَقْتَرِحَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا حَكَمَ،وَ لاَ
[١] أماثل القوم:خيارهم.«الصحاح-مثل-٥:١٨١٦».
[٢] القود:القصاص،و أقدت القاتل بالقتيل،أي قتلته به.«الصحاح-قود-٢:٥٢٨».
[٣] و في«س»:وفت،أي ساوت أو وازت.
[٤] الغبطة:أن تتمنّى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه.«الصحاح-غبط-٣:١١٤٦».
[٥] في المصدر:لإيثارها إيّاه.
[٦] العدوى:طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك،أي ينتقم منه،يقال:استعديت على فلان الأمير فأعداني عليه،أي استعنت به عليه فأعانني «الصحاح-عدا-٦:٢٤٢١».
[٧] ائتمر الأمر:أي امتثله.«الصحاح-أمر-٢:٥٨٢».
[٨] الغرم:ما يلزم أداؤه.«الصحاح-غرم-٥:١٩٩٦».