البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٧٤ - بقرة آيه ٨٩
وِلْدَانُنَا،وَ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَكَةِ؛فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ وَابِلاً هَطْلاً سَحّاً [١]،مَلَأَ حِيَاضَهُمْ وَ آبَارَهُمْ وَ أَنْهَارَهُمْ وَ أَوْعِيَتَهُمْ وَ ظُرُوفَهُمْ،فَقَالُوا:هَذِهِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؛ثُمَّ أَشْرَفُوا مِنْ سُطُوحِهِمْ عَلَى الْعَسَاكِرِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ،فَإِذَا الْمَطَرُ قَدْ آذَاهُمْ غَايَةَ الْأَذَى،وَ أَفْسَدَ أَمْتِعَتَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ،فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ لِذَلِكَ بَعْضُهُمْ،لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ أَتَاهُمْ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ،فِي حَمَارَّةِ الْقَيْظِ [٢]،حِينَ لاَ يَكُونُ مَطَرٌ.
فَقَالَ الْبَاقُونَ مِنَ الْعَسَاكِرِ:هَبْكُمْ سُقِيتُمْ،فَمِنْ أَيْنَ تَأْكُلُونَ؟وَ لَئِنِ انْصَرَفَ عَنْكُمْ هَؤُلاَءِ،فَلَسْنَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَقْهَرَكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ عِيَالاَتِكُمْ،وَ أَهَالِيكُمْ وَ أَمْوَالِكُمْ،وَ نَشْفِيَ غَيْظَنَا مِنْكُمْ.
فَقَالَتِ الْيَهُودُ:إِنَّ الَّذِي سَقَانَا بِدُعَائِنَا بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطْعِمَنَا،وَ إِنَّ الَّذِي صَرَفَ عَنَّا مَنْ صَرَفَهُ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ عَنَّا الْبَاقِينَ.
ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَنْ يُطْعِمَهُمْ،فَجَاءَتْ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَافِلِ الطَّعَامِ قَدْرَ أَلْفَيْ جَمَلٍ وَ بَغْلٍ وَ حِمَارٍ مُوقَرَةٍ [٣] حِنْطَةً وَ دَقِيقاً،وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِالْعَسَاكِرِ،فَانْتَهُوا إِلَيْهِمْ وَ هُمْ نِيَامٌ،وَ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِمْ،لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ثَقَّلَ نَوْمَهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْقَرْيَةَ،وَ لَمْ يَمْنَعُوهُمْ،وَ طَرَحُوا [٤] أَمْتِعَتَهُمْ وَ بَاعُوهَا مِنْهُمْ فَانْصَرَفُوا وَ بَعُدُوا،وَ تَرَكُوا الْعَسَاكِرَ نَائِمَةً لَيْسَ فِي أَهْلِهَا عَيْنٌ تَطْرِفُ،فَلَمَّا بَعُدُوا انْتَبَهُوا،وَ نَابَذُوا [٥] الْيَهُودَ الْحَرْبَ،وَ جَعَلَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:اَلْوَحَى الْوَحَى [٦]،فَإِنَّ هَؤُلاَءِ اشْتَدَّ بِهِمُ الْجُوعُ وَ سَيَذِلُّونَ لَنَا.
قَالَ لَهُمُ الْيَهُودُ:هَيْهَاتَ،بَلْ قَدْ أَطْعَمَنَا رَبُّنَا وَ كُنْتُمْ نِيَاماً،جَاءَنَا مِنَ الطَّعَامِ كَذَا وَ كَذَا،وَ لَوْ أَرَدْنَا قِتَالَكُمْ [٧] فِي حَالِ نَوْمِكُمْ لَتَهَيَّأَ لَنَا،وَ لَكِنَّا كَرِهْنَا الْبَغْيَ عَلَيْكُمْ،فَانْصَرِفُوا عَنَّا،وَ إِلاَّ دَعَوْنَا عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ،وَ اسْتَنْصَرْنَا بِهِمْ أَنْ يُخْزِيَكُمْ كَمَا قَدْ أَطْعَمَنَا وَ سَقَانَا؛فَأَبَوْا إِلاَّ طُغْيَاناً،فَدَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ اسْتَنْصَرُوا بِهِمْ،ثُمَّ بَرَزَ الثَّلاَثُمِائَةِ إِلَى ثَلاَثِينَ أَلْفاً [٨]،فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَ أَسَرُوا وَ طَحْطَحُوهُمْ [٩]،وَ اسْتَوْثَقُوا مِنْهُمْ بِأُسَرَائِهِمْ،فَكَانَ لاَ يَنَالُهُمْ [١٠] مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتِهِمْ،لِخَوْفِهِمْ عَلَى مَنْ لَهُمْ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ؛فَلَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَسَدُوهُ،إِذْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ،فَكَذَّبُوهُ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):هَذِهِ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِذِكْرِهِمْ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ،أَلاَ فَاذْكُرُوا -يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ-مُحَمَّداً وَ آلَهُ عِنْدَ نَوَائِبِكُمْ وَ شَدَائِدِكُمْ،لِيَنْصُرَ اللَّهُ بِهِ مَلاَئِكَتَكُمْ عَلَى الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَقْصِدُونَكُمْ،
[١] سحّ الماء سحّا:سال من فوق.«الصحاح-سحح ١:٣٧٣».
[٢] حمارّة القيظ:شدّة حرّه.«مجمع البحرين-حمر-٣:٢٧٦».
[٣] الوقر:الحمل.«الصحاح-وقر-٢:٨٤٨».
[٤] في المصدر زيادة:فيها.
[٥] نابذه الحرب:كاشفه.«الصحاح-نبذ-٢:٥٧١».
[٦] الوحى:السرعة،و يقال الوحى الوحى،يعني البدار البدار.«الصحاح-وحى-٦:٢٥٢٠».
[٧] في«ط»نسخة بدل:قتلكم.
[٨] في المصدر:إلى النّاس للقاء.
[٩] طحطحت الشيء:كسّرته و فرقته..«الصحاح-طحح-١:٣٨٦».
[١٠] في المصدر:فكانوا لا ينداهم.