أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٨٠
«المسألة العاشرة» فى امتناع اتصاف الرب تعالى بالعجز
و هذه المسألة أيضا مما لا نعرف فيها خلافا بين العقلاء. غير أن العادة جارية بالدلالة عليها.
و المعتمد فى ذلك أن يقال:
لو اتصف الرب- تعالى- بالعجز لم يخل: إما أن يكون حادثا، أو قديما.
لا جائز أن يكون حادثا: و إلا كان الرب- تعالى- محلا للحوادث؛ و هو ممتنع.
و لا جائز أن يكون قديما: لأنا لا نعنى بالعجز المنفى غير صفة مضادة خاصة للقدرة، مقتضاها امتناع وقوع الفعل الممكن بالقدرة؛ و لهذا لا يوصف الإنسان و لا البارى- تعالى- بكونه عاجزا عن الجمع بين الضدين، و جعل الواحد أكثر من الاثنين؛ لكونه غير ممكن، و الفعل فى الأزل غير ممكن؛ كما يأتى تحقيقه فى مسألة حدوث العالم [١]؛ فلا يتحقق عجز البارى- تعالى- بالنسبة إليه.
و إذا بطل أن يكون قديما، و حادثا؛ بطل اتصاف البارى- تعالى- به، و يعضد هذه الدلالة انعقاد إجماع الأمة على امتناع اتصاف الرب- تعالى- بالعجز قديما، و حادثا.
فإن قيل: سلمنا الحصر؛ و لكن لم قلتم بامتناع كون العجز حادثا؟
قولكم: يلزم أن تكون ذات البارى- تعالى- محلا للحوادث. إنما يلزم ذلك أن لو كان العجز صفة وجودية، و أما إذا كان صفة سلبية؛ فلا مانع من اتصاف الرب- تعالى- به بعد أن لم يكن متصفا به، بدليل أن الرب- تعالى- موصوف فى الأزل بكونه عالما بأن العالم سيوجد فى وقت حدوثه، و أنه قادر على إيجاده فى وقت حدوثه، و مريد له. و بعد حدوثه لم يبق متصفا بأنه عالم بأنه سيوجد، و لا قادر على إيجاده، و لا مريد لإيجاده.
سلمنا أنه صفة وجودية؛ و لكن ما المانع من كونه قديما؟ و ما ذكرتموه فهو لازم عليكم فى اتصاف الرب- تعالى- بالقدرة فى الأزل، مع امتناع وجود الفعل فى الأزل، و كما أنه لا يوصف الفاعل بالعجز عن الممتنع، لا يوصف بكونه قادرا على الممتنع.
[١]
انظر ما سيأتى فى الجزء الثانى- الأصل الرابع فى حدوث العالم ل ٨٢/ ب و ما بعدها.