أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨٣
و ربما احتجوا بقوله- تعالى-: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [١]. و هو دليل التكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة له [٢].
و هو أضعف من الأول؛ فإنه مع إمكان حمل نفى الاستطاعة على نفى السهولة، و الانقياد من غير حرج و مشقة؛ فليس فيه ما يدل على تكليفهم بالسجود حتى يقال به مع عدم الاستطاعة؛ إذ الدعاء فى الدار الآخرة إلى السجود ليس بتكليف، لانعقاد الإجماع على أن الدار الآخرة ليست دار تكليف؛ بل دار مجازاة، و مقابلة على ما فعل فى الدنيا.
و إذا ثبت أن كل تكليف؛ فإنه قبل خلق القدرة عليه تكليف بما لا يطاق فلا معنى لمخالفة من وافق من أصحابنا على ذلك فى كون التكليف بما لا يطاق واقعا؛ فإن التكليف قبل خلق القدرة متفق على وقوعه/ بين الأمة إلا أن يريد به التكليف بالمحال الّذي لا يتصور تعلق القدرة القديمة، و لا الحادثة به: كالجمع بين الضدين، و نحوه- فهذا هو موضع الاختلاف فى الوقوع.
و قد استدل من قال بوقوع التكليف بالجمع بين الضدين، بتكليف أبى لهب بتصديق النبي عليه الصلاة و السلام فى أخباره. و من أخبار النبي عليه السلام أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله- تعالى- لنبيه بذلك؛ فقد كلفه بأن يصدقه فى إخباره بأنه لا يصدقه؛ فتكليفه بالتصديق [٣] له [٣]، تكليف له بأن لا يصدقه؛ و هو تكليف بالجمع بين الضدين.
و استدل أيضا بقوله- تعالى-: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [٤] أخبر أنه لا يؤمن غير من (آمن) [٥] مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به [٦]، و من ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا [٧] له فى خبره: أنهم لا يؤمنون.
[١]
سورة القلم ٦٨/ ٤٢.
[٢]
فى ب (عليه).
[٣]
فى ب (بتصديقه).
[٤]
سورة هود ١١/ ٣٦.
[٥]
فى أ (لم يؤمن).
[٦]
فى ب (به عليه).
[٧]
فى ب (لأنه تصديق).