أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٥٥
و العاقل إذا فتش علم أيضا، أنه لا فائدة للجمادات و العناصر، و المعدنيات، و غيرها من أنواع النبات فى وجودها؛ إذ لا تجد بذلك لذة، و لا ألما. و لا فرق بين كونها، و لا كونها [١]. و لا غرض فى إماتة الأنبياء، و إنظار إبليس، و تكليف نوع الإنسان مع ما فيه من الآلام و المشاق و لزوم الحرج؛ بل و كل عاقل أيضا راجع نفسه، و أمعن فى النظر بين الوجود، و لا وجود؛ فإنه يود أنه لم يوجد؛ لما يعترضه من الآفات الدنيوية، و الأخروية.
و لهذا نقل عن المقتدى بهم من الأولين التكره لذلك، و التبرم به حتى قال: يا ليتنى كنت نسيا منسيا، و قال آخر: يا ليت أمى لم تلدنى، و قال آخر: يا ليتنى لم أك شيئا. إلى غير ذلك من الأقوال الدالة على كراهة الوجود. و ما فيه الغرض، و الصلاح للعبد؛ لا يكون مكروها له.
فإن قيل: لو لم يكن فعل البارى- تعالى- لغرض و مقصود، مع أن الدليل قد دل على كونه حكيما فى فعله، عالما بصنعه؛ لكان عابثا، و العبث قبيح، و القبيح لا يصدر من الحكيم المطلق. و الخير المحض إذا كان عالما بقبحه، و عالما باستغنائه عنه [٢]؛ فإذن لا بد له فى فعله من غرض يقصده، و حكمة يطلبها من فعله؛ نفيا للتقصير [٣]، و العبث عنه.
و لا ننكر امتناع عود الغرض من فعله إليه؛ و لكن ما المانع من عوده إلى المخلوق؟
و ما ذكرتموه فغاية ما فيه عدم العلم بوجود الغرض فيما فرضتموه من الصور، و ليس فيه ما يدل على عدم الغرض فى نفسه؛ فإنه [٤] لا يلزم من عدم العلم بالشيء. العلم بعدم الشيء، و لا عدمه فى نفسه.
كيف: و أنه ممكن أن يكون خلود أهل النار فى النار، هو الأنفع لهم؛ لعلم البارى- تعالى- بهم. أنهم وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [٥] كما أخبر به الكتاب العزيز، و يلزم من ذلك زيادة العقاب فى حقهم/ مضافا إلى ما كان مستحقا عليهم.
و لا يخفى أن التزام شر قليل، دفعا للشر الكثير، أولى من التزام الشر الكثير.
[١]
فى ب (و عدم).
[٢]
فى ب (عنها).
[٣]
فى ب (للنقص).
[٤]
فى ب (إذ).
[٥]
سورة الأنعام ٦/ ٢٨.