أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٣٩
ثم و إن سلمنا دلالة ذلك على التقبيح، و التحسين فى أفعال العباد؛ و لكن لا يلزم مثله فى أفعال الله- تعالى- مع أنها من صور النزاع، إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد؛ و هو متعذر كما سبق [١].
و لهذا فإن السيد لو ترك عبيده، و إماءه يرتكبون الفواحش و هو مطلع عليهم، و قادر على منعهم؛ لكان ذلك قبيحا منه، و قد وجد مثل ذلك فى حق الله تعالى- بالنسبة إلى العبيد، و لم يقبح منه ذلك.
فإن قيل: إنما يمكن تقبيح ذلك من الله- تعالى- أن لو كان قادرا على منع الخلق من المعاصى؛ و لا نسلم أنه قادر عليه على ما هو مذهب النظام [٢].
فإن قلتم: إنه يقدر على ذلك بأن لا يخلق لهم القدرة على المعصية؛ فإنما يصح أن لو كان هو الخالق لقدرهم؛ و هو غير مسلم، كما هو مذهب معمّر [٣].
و أيضا فإنه لا يخلو: إما أن يكون الرب- تعالى- عالما بأن من ارتكب الفواحش لا ينزجر، أو لم [٤] يعلم [٤] منه ذلك.
لا جائز أن يقال بالثانى: و إلا كان الرب- تعالى- جاهلا بعواقب الأمور؛ و هو ممتنع.
و إن كان عالما بأنه لا ينزجر: فمنعه عن ارتكاب الفاحشة لا يكون مقدورا للرب- تعالى- بمعنى منعه من الإتيان بها، و إلا لزم من عدم الإتيان بها أن يكون علم الرب- تعالى- جهلا؛ إذ الكلام إنما هو مفروض فيمن علم الله- تعالى- أنه لا ينزجر عن المعصية، و أنه لا بد له من فعلها؛ فلا يكون عدم زجرهم منه مستقيما.
قلنا: أما الإشكال الأول: فمندفع، بما سنبينه من أنه لا خالق إلا الله- تعالى.
[١]
انظر ل ٤٠/ أ.
[٢]
انظر الفرق بين الفرق ص ١٣٣ ففيها تفصيل لرأى النظام.
[٣]
معمّر بن عباد السّلمى. معتزلى من الغلاة من أهل البصرة. سكن بغداد، و ناظر النظام.
و هو من أعظم القدرية غلوا، و كان زعيما لفرقة نسبت إليه هى (المعمّريّة) توفى سنة
٢١٥ ه.
(لسان
الميزان ٦: ٧١ و الفرق بين الفرق ١٥١ و مقالات الإسلاميين ٧٨ و الملل و النحل ٦٥) و
انظر ما سيأتى فى الجزء الثانى- القاعدة السابعة: الفرقة الرابعة عشرة: المعمرية ل
٢٤٥/ ب و ما بعدها.
[٤]
فى ب (أو لا).