أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٨
و أما الاحتمال الثالث:
فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أنا لا نسلم صحة إطلاق الهداية، و الإضلال على تسمية الشخص مهتديا و مضلا؛ فإنه لا يحسن أن يقال: هدى فلان لفلان؛ إذا سماه مهتديا، و كذا فى الإضلال.
و أيضا: فإنه لو جاز إطلاق الإضلال على تسمية الشخص مضلا؛ لجاز أن يقال للأنبياء (عليهم السلام) مضلون للكفرة؛ إذا سموهم بذلك؛ و هو غير سائغ فى الإطلاق.
الثانى: و إن سلمنا صحة الإطلاق بذلك؛ و لكن يمتنع حمل ما أوردناه من النصوص عليه لوجوه خمسة:
الأول: أن الرب- تعالى- إنما ذكر الهداية، و الإضلال، و أسند كل واحد إلى مشيئته فى معرض التمدح، و الاستعلاء. و لو كان المفهوم من ذلك محمولا على التسمية؛ لبطلت فائدة التخصيص بالتمدح.
الثانى: أنه لو كان المراد ما ذكروه؛ لما امتنع على [١] النبي عليه السلام الهداية [١] لمن شاء؛ لعدم امتناع التسمية عليه بذلك، و هو خلاف قوله- تعالى-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ/ أَحْبَبْتَ [٢].
الثالث: هو أن الله- تعالى- أخبر بتقدم شرح الصدر على من أراد هدايته، و ضيقه على من أراد إضلاله؛ و ذلك مما لا يتوقف عليه الهداية، و الإضلال بمعنى التسمية.
الرابع: هو أن الأمة مجمعة على التضرع إلى الله- تعالى- بالهداية، و تجنب الإضلال مع حث الشرع، و ندبه إلى ذلك، و فى حمل ذلك على مجرد التسمية بهت، و خروج عن تصرفات العقلاء.
الخامس: أنه بعيد عن الفهم. و ما ذكرناه قريب؛ فيمتنع الحمل عليه إلا بدليل.
و بهذا الوجه الأخير يندفع ما ذكروه، من تأويل الضلال على نفس المعاقبة أيضا.
[١]
فى ب (من النبي صلى الله عليه و سلم).
[٢]
سورة القصص ٢٨/ ٥٦.