أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٠٩
و كذلك خلق الكفر، بدليل قوله- تعالى- وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [١]. دل على انتفاء كل مانع غير المستثنى، و إذا لم يكن خلق القدرة على الكفر، أو خلق الكفر مانعا من الإيمان؛ فكذلك خلق القدرة على الإيمان، أو خلق الإيمان؛ لا يكون مانعا من الكفر.
و أيضا: فإن إطلاق المنع من [٢] الشيء، إنما يحسن عند المحاولة لذلك الشيء، و لا يحسن بتقدير كون الشخص كارها له غير مريد له. و من خلق له الإيمان، أو خلقت له القدرة عليه على وجه يكون مقارنا له؛ فلا يكون محاولا للكفر؛ بل كارها له؛ فلا يحسن إطلاق المنع بالنسبة إليه.
و الجواب عن الأول: لا نسلم أن خلق القدرة على الكفر ليس مانعا من الإيمان حالة كونه كافرا.
و أما/ الآية فهى دليل على أن المانع إنما هو استبعاد قدرة الله- تعالى- على أن يبعث بشرا رسولا؛ و ذلك عين الكفر؛ و ليس فيها ما يدل على أن الكفر ليس بمانع.
و عن الإشكال الثانى: أن صحة إطلاق المنع عن الشيء يستدعى وقوع المحاولة له، أو صحة المحاولة لذلك الشيء. الأول؛ ممنوع، و الثانى؛ مسلم.
و على هذا فلا يلزم من عدم وقوع المحاولة للكفر فى حق المؤمن؛ امتناع صحة المحاولة له.
و أما المعتزلة: فمدلول أصل [٣] العصمة عندهم أيضا ما هو مدلول اسم التوفيق على اختلاف مذاهبهم، غير أن من فسر التوفيق منهم باللطف اختلفوا. فمنهم من قال:
اللطف إنما يسمى عصمة إذا قارنه الإيمان و الطاعة، و قيل ذلك لا يسمى عصمة.
و منهم من قال: إنه يسمى مثل ذلك عصمة إذا كان فى علم الله- تعالى- أن ذلك اللطف يعود إلى الإيمان.
و الوجه فى إبطال ما ذكروه. ما أبطلنا به تفسير التوفيق، بالدعوة و اللطف؛ فعليك بنقله إلى هاهنا.
[١]
سورة الاسراء ١٧/ ٩٤.
[٢]
فى ب (على).
[٣]
فى ب (اسم).