أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨٢
فإن قيل: إذا اشترطتم على الاصطلاح الأصولى أن يكون الترك و المتروك/ مقدورين، فمن ترك الصلاة بفعل ضدها: فإما أن يقولوا: بأن الصلاة مقدورة حالة كون ضدها مقدورا، أو لا يقولوا بكونها مقدورة.
فإن كان الأول: فهو خلاف أصلكم فى تعلق قدرة واحدة، أو قدرتين بضدين معا؛ ضرورة أن المقدور لا بد و أن يكون مقارنا للقدرة عند تعلقها به، و ذلك يفضى إلى اجتماع الضدين؛ و هو محال.
و إن كان الثانى: فالصلاة غير متروكة؛ لفوات شرط الترك؛ و هو خلاف الشرع.
و اصطلاح العقلاء و أهل اللسان.
قلنا: ليس المراد من قولنا: يجب أن يكون الترك، و المتروك مقدورين معا؛ بل على سبيل البدل؛ و ذلك لا ينافى ما ذكرناه.
و من المعتزلة: من شرط فى الترك أن يكون التارك معتمدا بالفعل الانفكاك عن ضده.
و هو بعيد؛ فإنه إذا لم يبعد كونه متصفا بالفعل مع عدم القصد: كما فى الفعل القليل فى حالة النوم؛ فكذلك فى الترك.
و من المعتزلة: من زعم أن الترك من أفعال القلوب: و هو انصراف القلب من ارتياد الفعل؛ بخلاف أفعال الجوارح.
و هو بعيد أيضا؛ فإن العرب تقول: ترك فلان القيام، و إن لم يخطر لهم ما هجس فى [١] قلبه.
و منهم: من لم يجوز إطلاق الترك على الله- تعالى- و هو خلاف قوله- تعالى وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [٢].
و بالجملة: فالنزاع فى هذه الإطلاقات آئل إلى الاصطلاح، و لا حرج فيه.
و إذ أتينا على ما أردناه من الأصول، و نقحناه من الفصول، فنعود إلى المقصود من خلق الأفعال.
[١] فى ب (له فى).
[٢] جزء من الآية رقم ١٧ من سورة البقرة.