أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٣٦
ثم و إن سلمنا اتفاق/ العقلاء على ذلك؛ و لكن لا نسلم أن مدرك العلم به الضرورة؛ و بيانه من وجهين:
الأول: هو أن الضرورة لا معنى لها إلا ما لو خلى الإنسان و دواعى نفسه من مبدأ نشوه [١] من غير التفات إلى [٢] نظر [٢]، أو عرف متبع؛ لوجد نفسه مصدقا به غير خال عنه: و ذلك: كالعلم باستحالة اجتماع الضدين، و أن الواحد أقل من الاثنين، و أن الواحد فى آن واحد لا يكون فى مكانين و كما يجده الإنسان فى نفسه من الألم، و الغم، و الحزن، و الفرح، و غير ذلك.
و لا يخفى أن ما مثل هذه الأشياء ليس كذلك؛ فلا يكون العلم به ضروريا.
الثانى: [هو] [٣] أن العلم الضرورى لا ينازع فيه خلق لا يتصور على مثلهم التواطؤ على الكذب، و المحال عادة، و من خالف و نفى كون العلم بهذه الأمور ضروريا بهذه المثابة؛ فلا يكون ضروريا.
و ربما قيل فى بيان امتناع الضرورة وجهان آخران.
الأول: هو أن الحكم بكون الكذب، و الظلم قبيحا قضية تصديقية، و الحكم التصديقى لا يمكن دون تصور مفرداته. فلو كان العلم به ضروريا؛ لكان العلم بحقيقة الكذب، و الظلم ضروريا؛ و ليس كذلك.
و هو فاسد؛ فإن القضية الضرورية: هى التى يصدّق العقل بها من غير توقف على أمر خارج غير تصور مفرداتها؛ بل إذا تصورت مفرداتها بادر العقل بالنسبة الواجبة لها [٤] من غير توقف على أمر آخر. فكون معنى الظلم، أو القبح غير معلوم بالضرورة، لا ينافى أن تكون النسبة بين الظلم، و القبح- بعد تصورهما- معلومة بالضرورة.
و لهذا فإنا نعلم استحالة الجمع بين السواد، و البياض بالضرورة و إن كانت حقيقة السواد و البياض غير معلومة بالضرورة على [٥] ما يجده كل عاقل من نفسه.
[١]
فى ب (النشو).
[٢]
فى ب (إلى غير نظر).
[٣]
ساقط من أ.
[٤]
فى ب (إليها).
[٥]
فى ب (كما يجده).