أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٩
و ذهب بعض اليعقوبية [١]:
الى أن الكلمة: انقلبت لحما، و دما؛ فصار الإله هو المسيح. و هم الذين أخبر الله عنهم بقوله- تعالى-: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [٢]
و منهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، بحيث صار هو، هو، كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان، و قد قال الله- تعالى-: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [٣].
و منهم من قال: إن جوهر الإله القديم، و جوهر الإنسان المحدث تركبا كتركب النفس الناطقة مع البدن، فصارا جوهرا واحدا و هو المسيح؛ فهو إله كله، و إنسان كله و صار الإله إنسانا، و إن لم يصر الإنسان إلها. كما يقال فى الفحمة إذا طرحت فى النار، صارت الفحمة نارا، و لا يقال صارت النار فحمة، و لا يكون فى الحقيقة لا نارا مطلقة، و لا فحمة مطلقة؛ بل جمرة.
و قالوا: إن اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئى، دون الكلى، و أن مريم ولدت إلها، و أن القتل، و الصلب، وقع على اللاهوت و الناسوت معا؛ و إلا فلو وقع على أحدهما؛ لبطل معنى الاتحاد.
و منهم من قال: المسيح مع اتحاد جوهره قديم، من وجه، محدث من وجه.
و من اليعقوبية من قال: إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا، و إنما مرت بها كمرور الماء فى الميزاب.
و منهم من زعم أن الكلمة: كانت تداخل جسد المسيح؛ فتصدر عنه الآيات التى كانت تظهر عنه، و تفارقه تارة؛ فتحله الآفات، و الآلام، و الأوجاع.
و من النصارى من زعم: أن معنى: اتحاد اللاهوت بالناسوت؛ ظهور اللاهوت على الناسوت، و إن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء، و لا حل فيه، و ذلك: كظهور نقش الطابع على الشمع المتصل به، أو ظهور الصورة المرئية فى المرآة الصقيلة.
[١]
اليعقوبية: و قد اختلف فى صاحب المذهب: هل هو يعقوب البرذعانى، أم ساويرس بطريرك انطاكية،
أو أوطاخس؟ و الّذي ذهب إليه الشهرستانى أنهم أصحاب يعقوب: و قد نقل الشهرستانى موجزا
لهذا المذهب فى كتابه الملل و النحل يدل على فهم كامل له. بين فيه ما اتفقوا عليه و
ما اختلفوا فيه كما أورده الآمدي هنا.
(المغنى
٥/ ٨١، ٨٣ و الملل و النحل ٢/ ٣٠ و نشأة الفكر الفلسفى ١/ ١٠١- ١٠٢).
[٢]
سورة المائدة ٥/ ٧٢.
[٣]
سورة مريم ١٩/ ١٧.