أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٥
و لو كان ذلك محرما؛ لما ساغ من النبي عليه السلام، و من الصحابة، و أهل الحل و العقد من بعدهم، أن يتواطئوا على الخطأ؛ إذ هو متعذر عادة، و ممتنع شرعا.
فإن قيل: طلب الرزق، و الاجتهاد فى اكتسابه، يلزم منه أمر محرم؛ فكان محرما.
و بيان ذلك: هو أن طلب الرزق، يشعر بعدم الإيمان بالله- تعالى- و قلة الثقة [١] فيما أخبر به؛ و ذلك حرام؛ فكان طلب الرزق حراما.
و بيان لزوم قلة الثقة بخبره، بتقدير طلب الرزق: هو أن قوله- تعالى- وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [٢]. و قوله- تعالى- وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ [٣]. و قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [٤]. و قوله عليه الصلاة و السلام: «لو اتكلتم على الله حق اتكاله لكنتم كالطير، تغدوا خماصا، و تروح بطانا» [٥].
و ذلك كله يدل على أن الله- تعالى- متكفل بأرزاق عباده بخبره؛ فالطلب لما أخبر بوقوعه، يدل على قلة الثقة بخبره؛ و هو حرام.
و أيضا: فإن الأرزاق مشوبة بالمحرمات، و بالسعى لا يأمن من مصادفة المحرم بالتصرف فيه، و أكله؛ و ذلك حرام، و إذا وقع الاشتباه و التردد بين الحرام، و ما ليس بحرام؛ فالتجنب، و الكف؛ واجب. كما لو اختلطت ميتة بمذكاة، و أخت من الرضاع بأجنبية.
و الجواب:
أنا لا نسلم أن طلب الرزق يشعر بعدم الإيمان، و قلة الثقة فيما أخبر به الله- تعالى-/ من الرزق لعباده، و إلا كان ذلك موجبا للقدح فيمن سلف من الأنبياء، و غيرهم من
[١]
فى ب (الثقة به).
[٢]
سورة هود ١١/ ٦.
[٣]
سورة الاسراء ١٧/ ٣١.
[٤]
سورة الذاريات ٥١/ ٥٨.
[٥]
ورد فى ب (لو اتكلتم على الله حق اتكاله لرزقتم كما ترزق الطير تغدوا خماصا و تروح
بطانا). و قد أورده أحمد فى المسند، و الترمذي، و ابن ماجه، و الحاكم كلهم عن عمر بلفظ
«لو أنكم توكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح
بطانا» و رمز له السيوطى بالصحة.
(الجامع
الصغير ج ٢ حديث رقم ٧٤٢٤).