أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٧
«المسألة الثامنة» فى الرد على النّصارى
و قد اتفقت النصارى على أن الله- تعالى- جوهر. بمعنى أنه قائم بنفسه غير متحيز، و لا مختص بجهة، و لا مقدر بقدر، و لا يقبل حلول الحوادث/ بذاته، و لا يتصور عليه الحدوث و العدم، و أنه واحد بالجوهرية. ثلاثة بالأقنومية. و الأقانيم: هى صفات الجوهر القديم. و هى الوجود، و العلم، و الحياة. و عبروا عن الوجود: بالأب، و الحياة:
بروح القدس، و العلم: بالكلمة.
و اتفقوا على تدرع الكلمة:- و هى أقنوم العلم- بالمسيح، و اتحادها به دون باقى الأقانيم، و على تسمية المسيح مع ما تدرع به من أقنوم العلم ابنا.
و اتفقوا أيضا على أن عيسى ولدته أمه مريم، و أنه قتل، و صلب، و صعد إلى السماء.
ثم اختلفوا:
فذهبت الملكانية [١]:
أصحاب ملكا- الّذي ظهر بالروم، و استولى عليها- إلى أن الأقانيم: غير الجوهر القديم، و أن كل واحد منها: إله. و صرحوا بإثبات التثليث [٢]. كما قال الله- تعالى- إخبارا عنهم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [٣]. و أن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، و تدرعت بناسوته، و امتزجت به: كامتزاج الخمر بالماء، أو اللبن. ثم صارا شيئا واحدا، و انقلبت الكثرة قلة: أى العدد وحدة، و أن المسيح ناسوت كلى لا جزئى. و هو قديم أزلى، و أن مريم ولدت إلها أزليا، مع اختلافهم فى مريم: أنها إنسان كلى، أو جزئى.
و اتفقوا: على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح، دون مريم، و أن القتل، و الصلب وقع على الناسوت، و اللاهوت معا. و اطلقوا لفظ الابن: على عيسى، و الأب: على الله تعالى.
[١]
الملكانية: من أقدم المذاهب المسيحية: و هم أصحاب ملكا الّذي ظهر بأرض الروم و استولى
عليها، و كان معظم الروم ملكانية. و هذا المذهب كان منتشرا فى البلاد التى فتحها المسلمون،
و يبدوا أنه كان المذهب الرسمى فى ذلك العهد. (انظر المغنى ٥/ ٨٤ و الملل ٢/ ٢٧-
٢٩ و نشأة الفكر الفلسفى ١/ ٩٧، ٩٨).
[٢]
فى ب (الثلاث).
[٣]
سورة المائدة ٥/ ٧٣.