أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٥٨
قيل: بل العلم بانتفاء الغرض فيما ذكرناه من الصورة الأولى و الثانية ضرورى، و إن انقدح الاحتمال فيما وراء ذلك من صور الاستشهاد مع بعده.
و قولهم: يحتمل أن يكون خلود أهل النار فى النار، أنفع لهم من النعيم المقيم؛ خروج عن المعقول، و مكابرة لضرورة العقل.
قولهم: ذلك أنفع [١] لهم لعلمه- تعالى- أنهم وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [٢].
فإنما يلزم أن لو أعادهم مكلفين، و هو قادر على إخراجهم من غير تكليف، و إن كلفهم؛ فهو قادر على منعهم من المعاصى بإماتتهم قبل فعلها، و عدم إقدارهم عليها، أو إقدارهم على التوبة بعد الفعل، و العفو، و الصفح بعد الفعل؛ بل و هو الأليق بحكمته، و الأقرب إلى رأفته و رحمته من أن يعذبهم، و ينتقم منهم، مع أنه لا ينتفع بعذابهم، و لا يتضرر بالعفو عنهم؛ بل العفو، و العقوبة بالنسبة إلى جلاله سيان؛ فكان إخراجهم هو الأصلح [٣]، و الأنفع لهم [٣].
كيف و قد وجدنا فى الشاهد: المدحة للعافى، دون المنتقم؛ بل و العقلاء بأسرهم يقبحون مقابلة معصية واحدة، بالخلود فى العذاب الأبدى السرمدى؛ فما باله استأثر العقوبة على العفو مع ذلك، و ليس مستندهم فيما قضوا به غير التحسين، و التقبيح، و قياس الغائب على الشاهد؛ و التخليد فى العذاب [٤] على خلاف هذه القواعد.
قولهم: الغرض من ذلك إنما هو نفى الخلف فى خبر الله- تعالى- و الجهل عنه.
قلنا: فالغرض إذن غير عائد إليهم؛ إذ لا نفع لهم فى ذلك؛ و هو خلاف الغرض.
كيف: و أن النزاع/ إنما هو فى اعتبار الأغراض العائدة إلى المنافع، و المضار، و المصلحة، و المفسدة الدنيوية، و الأخروية؛ و ليس النزاع فى وجوب وقوع الفعل من الله تعالى- ضرورة استحالة الخلف فى خبره، و استحالة وقوع خلاف معلومه؛ فإن ذلك متفق عليه.
[١]
فى ب (أبلغ).
[٢]
سورة الأنعام ٦/ ٢٨.
[٣]
فى ب (الأنفع لهم و الأصلح).
[٤]
فى ب (النار).