أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٨٥
فإن قيل: إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله- تعالى- ليكون دورا؛ فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على «١» الإخبار بكونه رسولا حتى يدخله الصدق، أو الكذب؛ بل إظهار المعجزة على وفق تحديه ينزل منزلة الإنشاء، و إثبات الرسالة، و جعله رسولا فى الحال. و ذلك كقول القائل لغيره: وكلتك فى أشغالى، و استنبتك «٢» فى أمورى، و ذلك لا يستدعى تصديقا و لا تكذيبا.
قلنا: فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدى؛ إذ هو جائز على أصول أصحابنا؛ لم تكن المعجزة دالة على نبوته، و إثبات رسالته إجماعا. و لو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته؛ لوجب أن يكون رسولا متبعا بعد ظهورها؛ و ليس كذلك.
فإن قيل: [إن الإنشاء] «٣» مشروط بالتحدى؛ فهو بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات؛ فإن من أنشأ أمرا، و أثبته ابتداء لغيره لا يتوقف على سابقة الدعوى به لمن أثبت ذلك له، و بتقدير أن يكون كذلك؛ و لكن غايته ثبوت رسالته بطريق الإنشاء، و لا يلزم منه أن يكون صادقا فى كل ما يخبر به، دون دليل عقلى يدل على صدقه، فيما يخبر به، أو تصديق الله- تعالى- له فى ذلك بالمعجزة، و لا دليل عقلى يدل على ذلك، و تصديق الله- تعالى- له لو توقف على صدق خبره؛ كان دورا؛ كما سبق.
غير أن التمسك بمثل هذا المسلك السمعى فى بيان استحالة الكذب فى الكلام اللسانى، الدال على الكلام النفسانى؛ صحيح؛ كما تقدم تقريره. و السؤال الوارد عليه ثمّ منقطع هاهنا؛ فإن صدق الكلام اللسانى، و إن توقف على صدق الرسول؛ فصدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللسانى؛ بل على الكلام النفسانى؛ فامتنع الدور الممتنع فيه؛ و الله أعلم.