أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٧٢
و أما ما نقلوه عن الإنجيل: أن مريم تلد إلها. إن صح، و لم يكن ذلك من أوضاعهم، و تبديلهم فلا بد من تأويله؛ إذ الإله لا يولد عندهم؛ بل المولود إنما هو الناسوت. و تأويله أن يقال بحمله على الإنباء عن الغيب، و هو أن مريم تلد من يعتقد أنه إله. و إن لم يكن إلها حقيقة، و ذلك كما تسمى العرب الشمس إلها باعتبار أنها عبدت، و اعتقد كونها إلها؛ بل هو معارض بما نقل فى الإنجيل مما يدل على كونه ليس بإله من وجهين:
الأول: قول عيسى عليه السلام للحواريين: «اخرجوا بنا من هذه المدينة؛ فإن النبي لا يكرم فى مدينته» [١]. و النبي لا يكون إلها.
الثانى: ما نقل فى الإنجيل أنه عند الصلب قال: «إلهى لم خذلتنى، و أسلمتنى» [٢] صرح بكونه مربوبا؛ و المربوب لا يكون إلها.
و أما احتجاجهم من كتابنا بقوله- تعالى- إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ [٣]
فالجواب عنه: أن معنى كونه كلمة: أى آية: فإن الكلمة تطلق بمعنى الآية. و منه قوله تعالى ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [٤]: أى آياته. و يدل على إرادة ذلك أمور ثلاثة:
الأول: صدر الآية و هو قوله- تعالى- إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ سماه رسولا، و لو كان كلمة على [٥] الحقيقة [٥]؛ لما كان رسولا.
الثانى: قوله- تعالى- وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [٦].
و وجه الاحتجاج به من وجهين:
الأول: أنه سماه آية.
الثانى: أنه وصفه بكونه ابنا لها، و الإله ليس ابنا لها.
[١]
بحثت فى إنجيل متى الإصحاح الثالث عشر: رقم ٥٧ فوجدت الآتى:
(أما
يسوع فقال لهم ليس نبى بلا كرامة إلا فى وطنه و فى بيته).
[٢]
فى إنجيل متى ٢٧: ٤٦ (إلهى إلهى لم تركتنى).
[٣]
سورة النساء ٤/ ١٧١.
[٤]
سورة لقمان ٣١/ ٢٧.
[٥]
فى ب (حقيقة).
[٦]
سورة الأنبياء ٢١/ ٩١.