أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٤
المسلك الثالث:
و هو خصيص بامتناع حلول ذات البارى- تعالى- فى بعض الأجسام دون البعض كما هو مذهب الحلولية [١]، و هو أنه لو جاز حلول ذات البارى- تعالى- فى بعض الأجسام؛ فلا بد و أن تكون ذات ذلك الجسم قابلة لحلول ذات البارى تعالى- فيها؛ و أن تكون ذات البارى- تعالى- قابلة للحلول فى ذلك الجسم، و إلا كان القول بجواز الحلول مع امتناع القبول من الطرفين، أو من أحدهما؛ ممتنعا.
و عند ذلك: فإما أن يكون قبول ذلك الجسم لحلول ذات الله- تعالى- فيه، و قبول ذات الله- تعالى- لحلولها فيه، لعموم كونه جسما، أو لما به تعينه، و تخصصه من الصفات الموجبة لتميزه عن غيره من الأجسام.
فإن كان الأول: فيلزم منه جواز حلول الرب- تعالى- بكل جسم من الأجسام حتى أجسام الجمادات، و الحشرات، و المستقذرات من النجاسات [٢] و الرب تعالى- يتقدس [٢] عن ذلك.
و إن كان الثانى: فما اختص به ذلك الجسم من الصفات إما أن يكون ذلك لذاته، أو لمخصص من خارج.
فإن كان لذاته: فالأجسام مشتركة فى معنى الجسمية. فما اختص به جاز أن يختص به غيره؛ فيكون أيضا قابلا لحلول ذات البارى- تعالى- فيه. و إن كان لمخصص من خارج: فإما أن يكون مخصصا بالطبع، أو الاختيار. فإن كان مخصصا بالطبع؛ فهو محال؛ لتساوى الأجسام بالنسبة إليه.
و إن كان مخصصا بالاختيار؛ فما [٣] جاز على الفاعل المختار تخصيص ذلك الجسم بما تخصص به؛ جاز أن يخصص به ما هو مماثل له فى الجسمية.
[١]
الحلولية: هم قوم أجمعوا على إفساد القول بتوحيد الصانع. و هم النصارى الذين قالوا
بحلول اللاهوت بالناسوت، و تدرعه به، و اتحاده به، و النصيرية و الإسحاقية من غلاة
الشيعة الذين قالوا: إن الله حل فى أئمتهم؛ فظهر بصورهم، و نطق بألسنتهم. و منهم بعض
المشبهة الذين قالوا إن روح الآدمى من روح الله، و منهم بعض المتصوفة القائلين بالحلول،
و الاتحاد.
[٢]
فى ب (النجاسة و الرب يتعالى و يتقدس).
[٣]
فى ب (فكما).