أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٨
الأول: أنه يحتمل أنه أراد استنطاقها بما ظن أنه معتقد لها من الأينية، و لا يدل ذلك على أن الرب- تعالى- متأين. و هذا كما روى عنه عليه السلام- أنه قال لأم جميل «كم تعبدين من الآلهة»؟ فقالت: خمسة، و إن كنا نعلم امتناع التعدد فى الآلهة، و امتناع اعتقاد النبي- عليه الصلاة و السلام- لذلك. و يحتمل أنه أراد بقوله: «أين اللّه؟»: أى أين موقع معرفة الله- تعالى منك. بطريق حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه. إما أن يكون ذلك إشارة من النبي عليه الصلاة و السلام إلى أينية الرب- تعالى- فكلا.
و لهذا قد روى عنه عليه السلام أنه قيل له: أين الله؟ فقال «ليس لمن أيّن الأين أين» (١).
و أما إشارة الخرساء إلى السماء. و تقرير النبي عليه السلام لها؛ فليس فيه ما يدل على أنها قصدت بالإشارة إثبات الجهة؛ بل لعلها قصدت تعريف إلهها بخالق السماء، و رافعها؛ تنبيها بالأعلى، على الأدنى.
و أما رفع الأيدى إلى السماء حالة الدعاء؛ فليس فى ذلك ما يدل على أن الله- تعالى- فى جهة السماء؛ بل إنما كان كذلك؛ لأنها قبلة الدعاء. كما أن البيت العتيق قبلة للصلاة. و كما أن جهة الأرض محل للسجود؛ فكما لا يدل التوجه فى الصلاة إلى البيت على أن الله- تعالى- فى جهة البيت، و لا السجود، و وضع الجبهة على الأرض على أن الله- تعالى- فى جهة الأرض؛ فكذلك رفع الأيدى إلى السماء و ذلك لأن الله- تعالى- كما له تخصيص بعض الأماكن، و بعض الأزمان؛ ببعض العبادات؛ فكذا له تخصيص بعض الجهات، بالتقرب إليه ببعض العبادات، دون البعض.