أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٧٣
فذهب أصحابنا: إلى وجوب ذلك؛ لأنه لا يتصور فعل من فاعل، و هو عالم به، ذاكر له من غير إرادة له.
و منع الجبائى من ذلك: و أحال كون الفاعل للإرادة مريدا لها بإرادة أخرى.
و أما أبو هاشم فإنه قال: إن [١] كانت الإرادة قصدا إلى الفعل مقارنة له، أو متقدمة عليه: كتقدم القدرة على المقدور، جاز أن تكون مرادة و أن لا تكون مرادة.
و أما إن كانت متقدمة على الفعل بأزمنة، و كانت عزيمة على الفعل؛ فلا بد و أن تكون مرادة. و كل ذلك يخيل فى دفع سؤال التسلسل على قولهم: بأن الله- تعالى- مريد بإرادة حادثة لا فى محل.
احتج أصحابنا: بأن الإجماع منا، و من المعتزلة منعقد على أن كل مقدور معلوم، ما عدا موضع النزاع؛ فإنه لا بد و أن يكون مرادا بإرادة مخصصة له.
و إنما افتقر إلى تعلق الإرادة به من جهة كونه جائزا؛ فإن [٢] المخصص للجائزات [٢]: إنما هو الإرادة- كما سبق تقريره فى مسائل الصفات [٣]- و الإرادة المقدورة جائزة؛ فكان تخصيصها مفتقرا إلى مخصص من جهة الفاعل لها؛ و ذلك المخصص هو الإرادة. و لو أمكن استغناؤها- مع جوازها- عن الإرادة المخصصة؛ لاستغنى كل جائز عن المخصص؛ و ذلك محال؛ لما فيه من تخصيص بعض الجائزات دون البعض من غير مخصص.
فإن قيل: ما ذكرتموه: إنما يلزم منه وجود الإرادة مع جوازها من غير مخصص، بتقدير أن لا تكون مرادة أن لو لم يكن الداعى إليها كافيا فى التخصيص؛ فلم قلتم بأنه غير كاف؟
و إن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على إرادة الإرادة؛ لكن معنا ما يدل على امتناع ذلك، و بيانه من وجهين:
الأول: أنه لو كانت الإرادة المقدورة مرادة للفاعل [٤]؛ لكانت تلك الإرادة الثانية مفتقرة إلى ثالثة، و الثالثة إلى رابعة، و هلم جراء إلى ما لا نهاية له؛ و هو محال.
[١] فى ب (إذا).
[٢] فى ب (و المخصص للجائز).
[٣] انظر ل ٦٤/ ب و ما بعدها.
[٤] فى ب (بالفاعل).