أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٧
و قوله- تعالى-: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [١]؛ ليس المراد به الحركة و الانتقال؛ بل المراد به مجىء أمر الرب- تعالى- لفصل القضاء يوم الدين بطريق حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه؛ و ذلك كما فى قوله تعالى-: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [٢]: أى أمره، بالاتفاق منا، و من الخصوم.
و قوله- تعالى-: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [٣]، أى عذاب الله فى ظلل من الغمام، بطريق حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه. و إنما خصصه بالظلل من الغمام؛ لأن أكثر العقوبات كانت يتقدمها ظلل من الغمام كما نقل.
و قوله- تعالى-: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [٤]. فيحتمل أن يكون المراد به من حكمه فى السماء و قهره. و يحتمل أنه أراد به ملكا مسلطا على عذاب المستوجبين للعذاب: إما جبريل، أو غيره؛ و لهذا قد نقل أرباب التفسير [٥] أن جبريل عليه السلام هو الّذي جعل قرى قوم لوط دكا؛ بقلب أعاليها على أسافلها.
و قوله- تعالى-: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [٦]؛ فليس فى الآية ما يدل على أن القرب، و الدنو من الله- تعالى- للرسول. و عند ذلك: فيحتمل أنه أراد به قرب الرسول، و دنوه من درجة لا تقرب منها إلّا أجلّ الخلائق.
و إن أريد به القرب من الله- تعالى- فليس المراد به القرب بالذوات؛ بل بالطاعة.
و قوله: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى تأكيد له. و عليه حمل قوله- تعالى- «إذا تقرّب العبد إلى ذراعا:- أى بالطاعة-/ تقرّبت إليه باعا» [٧] بالرأفة و الرحمة.
و أما حديث النزول إلى سماء الدنيا؛ فقد سبق تأويله [٨].
و أما قوله عليه السلام للخرساء: «أين اللّه؟» فيحتمل أحد أمرين:
[١]
سورة الفجر ٨٩/ ٢٢.
[٢]
سورة النحل ١٦/ ٢٦.
[٣]
سورة البقرة ٢/ ٢١٠.
[٤]
سورة الملك ٦٧/ ١٦.
[٥]
فى ب (التفاسير).
[٦]
سورة النجم ٥٣/ ٨، ٩.
[٧]
جزء من حديث عن أبى هريرة فى البخارى ٩/ ١٤٧- ١٤٨ (كتاب التوحيد، باب ما يذكر فى الذات
و النعوت و أسامى الله). و الحديث ورد فى مواضع كثيرة من الصحاح و السنن.
[٨]
انظر ل ١١٨/ أ.