أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٦
و عن الرابعة: بمنع أنه لا معنى لقيام الصفة بمحلها إلا كونها موجودة فى الحيز تبعا لمحلها فيه، و من المعلوم أن ذلك غير ضرورى، و لا دليل عليه.
و أما الشبه النقلية: فمن باب الظواهر الظنية؛ فلا تقع فى مقابلة الأدلة العقلية اليقينية [١].
كيف و أنه مهما تعارض دليلان؛ فالجمع بينهما أولى من العمل بأحدهما، و تعطيل الآخر، و قد أمكن الجمع بتأويل ما ذكروه من الظواهر، على وجه موافق للدليل العقلى الدال على نفى الجهة، و الحيز.
أما/ قوله- تعالى-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [٢]. فقد سبق تأويله. و قوله- تعالى- فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [٣] لم يرد به التقارب بالذوات، و الأحياز؛ بل أراد به الاختصاص بالاصطفاء، و الإكرام، و الاجتباء. و لهذا يقال: فلان عند الملك بمنزلة عظيمة؛ أى أنه مختص بالاصطفاء، و الاجتباء.
و قوله- تعالى-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [٤]. معناه وقوعه من الله تعالى- موقع الرضا، و علو الرتبة، و تعظيم شأنه، و ليس المراد به الحركة، و الانتقال إلى جهة الله- تعالى-؛ فإن الكلام عرض؛ و هو غير منتقل.
و قوله- تعالى-: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ [٥]؛ فالمراد به عروجهم إلى حيث يأمرهم بالتقرب إليه. و ليس المراد به التقرب بالذوات؛ و ذلك كما فى قوله- تعالى-:
وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ [٦]: أى بالتقرب إليه بالطاعة لا أن المراد به التقرب بالمسافة.
[١]
يلاحظ تطبيق الآمدي للمنهج الّذي ارتضاه؛ و هو أن أدلة القرآن الكريم و السنة النبوية
تفيد الظن. انظر ما سبق ل ٤٠/ ب.
[٢]
سورة طه ٢٠/ ٥.
[٣]
سورة فصلت ٤١/ ٣٨.
[٤]
سورة فاطر ٣٥/ ١٠.
[٥]
سورة المعارج ٧٠/ ٤.
[٦]
سورة النساء ٤/ ١٠٠.