أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٢٣
الثانى: هو أنه لم تزل الأمة مجمعة على الدعاء لله- تعالى- و التضرع إليه، فى أن يرزقهم: الإيمان، و يجنبهم: الكفر، و العصيان. و كذلك [١] الأئمة الصالحون، و الأنبياء المرسلون حتى قال إبراهيم الخليل: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [٢]. و قال- تعالى- حكاية عنه، و عن إسماعيل: رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [٣]. و قال يوسف: وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ [٤].
و لو لا أن ذلك كله من فعل الله؛ لما كان كذلك.
فإن قيل: المراد من السؤال: إنما هو للتمكين من الطاعة و الإيمان؛ بالإقدار عليهما؛ فهو خلاف الظاهر من لفظ الجعل، و الصرف، و سائر الألفاظ المذكورة من غير دليل؛ فلا تقبل.
كيف و أن الإقدار على الإيمان، و الطاعة منهم من باب اللطف: و هو حتم على الله- تعالى- عندهم، و من لوازم الإلهية، فلا معنى لسؤاله ما لا بد منه؛ و هو حتم عليه، كما لا يحسن أن يسأل و يقال: لا تظلم، و لا تجر؛ مع استحالة الظلم، و الجور فى حقه.
الثالث: هو أن المعتزلة موافقون: على استحالة عرو الأجسام عن الحركة و السكون. فلو كان العبد هو المخترع لحركة يده، و سكونها؛ فبتقدير إضرابه عن تحقيق مقدوره، مع استمرار قدرته عليه؛ فيلزم منه: إما عرو يده عن الحركة، و السكون معا؛ و هو محال. أو أن يكون البارى- تعالى- هو الخالق لذلك مشروطا بإضراب العبد عن مقدوره؛ فيكون الرب- تعالى- فى فعله مرتبطا بإضراب العبد؛ و هو خلاف إجماع [٥] الأمة [٥].
الرابع: هو أن الأمة مجمعة: على اقتدار الرب- تعالى- على استيفاء حقوقه من الطاعات من العباد. فلو كانت مخلوقة لهم؛ لما كان قادرا على استيفائها بتقدير انصرافهم عنها؛ و هو خلاف إجماع الأمة. و بتقدير خلقها فيهم اضطرارا: فعندهم تخرج عن كونها طاعة؛ لكونها فعل الغير.
[١] فى ب (و كذا).
[٢] سورة إبراهيم ١٤/ ٣٥- الموجود فى الأصل
(رب اجنبني و بنى أن نعبد الأصنام).
[٣] سورة البقرة ٢/ ١٢٨.
[٤] سورة يوسف ١٢/ ٣٣.
[٥] فى ب (الإجماع).