أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨١
«الفصل الحادى و العشرون» فى الترك، و تحقيق معناه
اعلم أن الترك: قد يطلق فى اللغة على عدم الفعل. و لهذا يصح أن يقال: ترك فلان الفعل الفلانى. إذا لم يفعله، و سواء تعرض لضده، أم لا.
و سواء كان قاصدا له، أم لا. كما فى حالة النوم، و الغفلة. و لا مانع منه لغة مع شيوعه، و إن خالف فيه بعض المتكلمين؛ لكن بشرط أن يكون ذلك الفعل مقدورا فى العادة.
و لهذا: فإنه لا يحسن أن يقال: ترك فلان خلق الأجسام، و الألوان: عند عدم خلقه لهما؛ حيث لم يكن الخلق له مقدورا، و قد يطلق الترك [١] فى غالب اصطلاح المتكلمين: على موجود مقدور مضاد لموجود آخر مقدور فى العادة؛ و ذلك كما يقال:
ترك فلان الحركة يمنة بالحركة يسرة، و كذلك بالعكس، و ترك فلان الحركة بالسكون، و بالعكس، و لا يحسن إطلاق ذلك عند كون كل واحد من الضدين غير مقدور.
و لهذا لا يحسن أن يقال: ترك فلان بقعوده، أو قيامه: الصعود إلى السماء، أو خلق الأجسام، و الألوان؛ حيث لم يكن الصعود إلى السماء، و خلق الأجسام و الألوان، مقدورا للعبد. و لا يحسن أن يقال: ترك فلان بحركته [٢] الاضطرارية، الحركة الاختيارية. و لا بحركته [٢] الاضطرارية، الصعود إلى السماء.
و على هذا: إن أوجبنا ربط الثواب و العقاب، بالأفعال؛ فلا يكون مرتبطا بالترك بمعنى عدم الفعل؛ بل بالاصطلاح الأصولى. و إن لم يوجب ارتباطه بالفعل؛ بل جوزنا نصب العدم علامة على الثّواب، و العقاب؛ فلا مانع من ارتباطه بالترك بالمعنى اللغوى.
و على كلا الاصطلاحين: فيمتنع إطلاق ترك خلق العالم فى الأزل على الله- تعالى- إذ الخلق فى الأزل غير مقدور.
و يخص امتناع ذلك على الاصطلاح الأصولى: أن الترك لذلك فعل مضاد لخلق العالم، و تقدير فعل الله- تعالى- فى الأزل غير ممكن.
[١] فى ب (الخلق).
[٢] فى ب (الحركة الاضطرارية لا الحركة
الاختيارية و لا الحركة).