أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٧٦
قولهم: يلزم أن يكون العادل من فعل مأمورا به: لا نسلم لزوم ذلك على مقتضى ما ذكرناه، و مرتكب الفواحش قبل [١] ورود الشرع: و إن سمى ظالما، و امتنع [١] كونه مرتكبا للمنهى شرعا- فما امتنع كونه مرتكبا المنهى [٢] عقلا. و نحن فلم نخصص النهى بالشرع، ليرد علينا ما ذكروه.
فإن قيل: فالعرب قد تسمى الحية ظالمة: و إن لم تكن مرتكبه منهيا عقلا، و لا شرعا.
و لهذا تقول العرب: فلان أظلم من حية؛ بل قد تسمى الجمادات بذلك كما فى قولهم: ظلم السهم و جار: إذا مال عن سننه، و ظلم السقا: إذا منع الزبد، و لم يخرجه بالمخض. و ظلمت السماء: إذا حبست قطرها فى أوانه، و مطرت فى غير أوان المطر.
و قد قال الله- تعالى- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [٣]، أى آتت بثمرها من غير نقص.
قلنا: ما ذكرتموه: إما أن يكون مع الاعتراف منكم بجواز صدور الظّلم من الجمادات، و الحيوانات العجماوات، أو لا مع الاعتراف به.
فإن كان الأول: فإما أن يكون السبب فى تسميتها ظالمة صدور الظلم منها، أو غير ذلك.
فإن كان السبب هو صدور الظلم منها؛ فيلزمكم أن يسمى الأسد المفترس الضارى ظالما، و الحمل الهائج المؤذى ظالما، و الطفل الّذي لا تمييز له- إذا صدر منه الأذى- ظالما؛ و هو محال غير سائغ فى اللغة.
و إن كان الثانى: فقد بطل قولكم: إن الظالم من فعل الظلم، و كذلك يبطل إن قلتم إن الظلم غير صادر منها.
قولهم: يمتنع أن يسمى ظالما؛ لكونه فعل ما ليس له؛ فجوابه ما سبق أيضا فى الوجه الأول.
[١]
فى ب (أن سمى قبل ورود الشرع ظالما و لا مقنع).
[٢]
فى ب (النهى).
[٣]
سورة الكهف ١٨/ ٣٣.