أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٥٤
«الفرع الثانى» فى الرد على الفلاسفة الإلهيين
و الّذي عليه اعتماد الحذاق من الفلاسفة الإلهيين [١] أن البارى- تعالى- واحد من كل جهة، و أنه ليس له صفة وجودية، لا داخلة فى ذاته، و لا خارجة عارضة لذاته، كما أسلفناه [٢] من إيضاح مذهبهم، و حكاية شبههم على ذلك فى إثبات الصفات.
ثم إنهم بنوا على ذلك أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. محتجين على ذلك بأمرين.
الأول: أنه لو صدر عنه اثنان: لم يخل: إما أن يتفقا من كل وجه، أو يختلفا من كل وجه، أو يتفقا من وجه، و يختلفا من وجه.
فإن كان الأول: فلا تعدد؛ لأن التعدد مع عدم التمايز محال.
و إن كان الثانى، أو الثالث: فهما فى الجملة مختلفان.
و عند ذلك: فإما أن يكون صدور كل واحد منهما عنه من الجهة التى كان صدور الآخر عنه بها، أو من جهة أخرى.
لا جائز أن يقال بالأول: لأن العلة لا بد و أن يكون بينها، و بين المعلول ملاءمة مناسبة يتهيأ بها وجود المعلول، و إلا لما كان صدور ذلك المعلول عنها أولى من صدور غيره، و لا أولى من صدوره عن غيرها؛ بل كان كل موجود صالحا لأن يكون علة لأى وجود كان؛ و هو محال. و ما ناسب به أحد المعلولين/ المختلفين لا يمكن أن يناسب به المخالف الآخر، و لهذا فإنا نستدل باختلاف الآثار من الحرارة و البرودة، فى الجسم الواحد، على اختلاف المؤثرات فيه، و يلزم من ذلك أن الواحد إذا كان علة الأمرين مختلفين؛ أن يكون علة لهما بجهتين مختلفتين؛ و هو القسم الثانى.
[١]
لتوضيح رأى الفلاسفة فى هذه المسألة: انظر من كتبهم: النجاة لابن سينا ص ٢٤٩- ٢٨٤،
و تسع رسائل فى الحكمة له ص ١٠٨- ١١٤، و الإشارات و التنبيهات له أيضا ٣/ ١١٩-
١٩٢.
[٢]
فى ب (كما سبق). انظر ل ٥٤/ أ و ما بعدها.