أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٤٧
فإن قيل: قوله- تعالى-: أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ* وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [١]:
أى الأصنام التي كانوا ينحتونها، و يتخذونها آلهة؛ و هى لا محالة مخلوقة لله- تعالى- و إطلاق اسم العمل على ما ينحت، و يصور بصورة [٢] خاصة سائغ لغة، و منه يقال: هذا الباب من عمل فلان، و إن كان الباب نفسه، ليس من عمله. و يدل على ذلك أيضا قوله- تعالى-: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [٣]. و إنما كانت تلقف الحبال، و العصى، و ليست فعلا لهم.
و يدل على هذا التأويل أنه لو أراد به الأعمال المقدورة للعباد حقيقة؛ لكان القول بأنها من أفعال الله- تعالى- تناقضا؛ فإن ما يعمله العبد/ لا يكون لغيره.
و الجواب:
هو أن حمل العمل على الأصنام مجاز، و الأصل فى الإطلاق الحقيقة، و إضافة العمل إليهم بقوله: و ما تعملون، إنما هو إضافة اكتساب لا خلق؛ على ما تقدم.
و أيضا: قوله- تعالى-: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [٤]، و هو ظاهر فى النعيم عند من يقول بصيغ العموم، و عند من لا يقول بصيغ العموم؛ فلما اقترن به من قرينة التمدح، و الاستعلاء، و لو كان غيره خالقا لشيء من الأشياء؛ لبطلت فائدة التمدح، و الاستعلاء؛ و هو ممتنع.
و لا نسلم أن المخاطب يدخل فى عموم خطابه حتى يقال: إن عموم الآية قد خص بذاته، و صفاته؛ حيث أنها أشياء، و ليست مخلوقة له؛ لأن التخصيص إنما يكون بإخراج ما هو داخل تحت عموم اللفظ عن كونه مرادا باللفظ، و ما لا يكون داخلا تحت عموم اللفظ؛ فخروجه عنه لا يكون تخصيصا له.
و الّذي يدل على أن المتكلم لا يدخل تحت عموم كلامه، أنه لو قال القائل: إنى قطعت كل مناظر لا يكون نفسه داخلة [٥] فيه، و لا يكون هو مفهوما من لفظه، و إن كان
[١]
سورة الصافات ٣٧/ ٩٥، ٩٦.
[٢]
فى ب (بصور).
[٣]
جزء من الآية رقم ١١٧ من سورة الأعراف، و جزء من الآية رقم ٤٥ من سورة الشعراء.
[٤]
سورة الأنعام ٦/ ١٠٢.
[٥]
فى ب (داخلا).