أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٦
الأولياء؛ فإن أكثرهم كانوا محترفين مكتسبين بأسباب مختلفة، حتى أن داود كان يكتسب بالدروع، و إدريس بالخياطة، و موسى بالرعاية، و النبي عليه الصلاة و السلام بالتجارة قبل المبعث، و على هذا كان الأولياء من السلف، و الخلف.
ثم لو كان كما ذكروه؛ لحرم النظر فى معرفة الله- تعالى- و السعى فى الاتيان بالعبادات، و تخليص النفس من الهلاك، عند الوقوع فى المهالك، و أن يمد أحد يده إلى ما حضر بين يديه من الطعام لتناوله، و أن يتصرف فى شيء من مهمات الدنيا، و الآخرة؛ لأن ذلك يدل على عدم الإيمان، و قلة الثقة بالله- تعالى. فيما ثبت من محتوم قضائه و قدره، و أن كل حادث يحدث بإحداثه؛ و أنه لا دافع، و لا مانع لما قضاه، و أمضاه.
فلئن قالوا: حيث قيل بانتفاء الحرمة عن السعى؛ كان السعى مأمورا به، و مأذونا فيه.
قلنا: و اكتساب الرزق أيضا، مأذون فيه، بدليل ما ذكرناه من نصوص الكتاب، و إجماع الأمة؛ فإن ذلك و إن لم يدل على الوجوب، فأدنى درجاته الإذن، و الإباحة.
و ما قيل من أن الأرزاق مشوبة بالمحرمات.
قلنا: الأصل فى الكل الإباحة، و احتمال مخالطة المحرم لكل واحد من الأموال، و إن كان قائما، إلا أنه بعيد. و بتقدير أن يكون مشكوكا فيه؛ فلا يكون دافعا للأصل بخلاف ما ذكروه من الأمثلة؛ إذ ليس الأصل هو الحل فى الكل، و الاجتهاد غير جار فيها؛ لعدم العلامة المبيحة، حتى إنه لو انقدح احتمال وجود العلامة الدالة على الإباحة كما فى الميتة و المذكاة.
قلنا: منع بالإباحة على وجه لنا فى المذهب. ثم يلزم من ذلك تحريم تناول الأغذية مطلقا. كما قيل بتحريم الاكتساب.
و لا يخفى ما فى ذلك من الوقوع فى المحرم، و هو إلقاء النفس فى التهلكة؛ و هو خلاف إجماع الأمة، و خلاف قوله- تعالى- وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «١».