أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٣
و إن سلمنا أن للعموم صيغة؛ و لكن لا نسلم وجودها فى الآيتين المذكورتين؛ إذ المذكور فيهما حرف من؛ و هى للتبعيض لا للعموم.
و إن سلمنا صيغة العموم فيهما؛ و لكن لا نسلم أن ما اغتصب الغاصب؛ يكون رزقا له، قبل الانتفاع به حتى يصح منه الإنفاق؛ و أنه يصير رزقا له بالانتفاع.
و عند ذلك: يتعذر الإنفاق منه؛ فلا يكون الأمر بالانتفاع، و التحريض على الإنفاق من الرزق تناولا له.
و إن سلمنا إمكان تناول الآيتين له؛ و لكنه مخصوص، بأرزاق البهائم و الأطفال، و العام بعد التخصيص لا يبقى حجة لتردده بين أقل الجمع، و ما عدا محل التخصيص.
و بتقدير أن يكون حجة؛ ففى أقل الجمع؛ لتيقنه. و بتقدير أن يكون حجة فيما عدا محل التخصيص؛ فيجب تخصيصه، لما ذكرناه من النهى عن تفويت ملك المالك المعصوم عليه.
و أما إطلاق الرزق على الملك الّذي لم ينتفع به؛ فليس حقيقة لما أسلفناه، و إنما هو بطريق المجاز من حيث أنه بحال ينتفع به فى الغالب، و لا منافاة بينه و بين ما ذكرناه من الإطلاق.
كيف: و أنه يلزم مما ذكروه أن يكون من اغتذى بالحرام من أول عمره إلى منتهاه كأولاد القصاب، أن يكون قد عاش و مات، و لم يرزقه الله رزقا؛ و هو خلاف إجماع المسلمين، قبل ظهور المعتزلة.
و أما الرازق:
فقد اتفقت المعتزلة: على أن الحرام لا يكون رزقا من الله- تعالى- و ما كان حلالا مباحا، فما أتى العبد منه بنصب، و تعب؛ فالعبد هو الرازق لنفسه و الله- تعالى- ليس برازق له ذلك الرزق. و ما أتاه منه بغير فعله؛ فهو من الله، و الرازق له ذلك الرزق هو الله- تعالى.
ثم منه ما هو واجب على الله- تعالى-: و هو ما فيه صلاح المكلفين.
و منه ما يجب المنع عنه: و هو ما فيه فساد المكلفين.