أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٠٨
فإن كان ممكنا: فهو واجب على الله- تعالى- و لا بد من وقوعه، و لا معنى لطلب ما لا بد منه، و لا للمتضرع [١]/ فى وجوده، كما أنه لا معنى لقول القائل اللهم لا تظلمنى، حيث [٢] لم يكن الظلم من الله- تعالى- متصورا [٢].
و إن لم يكن ممكنا: فلا معنى لطلب ما لا يمكن.
و أما العصمة:
فهى فى اللغة: مأخوذة من المنع- و منه قوله- تعالى- إخبارا عن ابن نوح عليه السلام: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [٣]: أى يمنعنى. و قوله: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أى لا مانع. و قوله- تعالى-: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [٤]:
أى يمنعهم عنك. و قوله- تعالى-: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [٥]: أى امتنعوا بالالتجاء إلى فضله عمن سواه. و يقال لقلل [٦] الجبال [٦] عواصم؛ لامتناع من يلجأ إليها بها عن غيره.
و أما الفرق الأصولى: فمذهب الشيخ أبى الحسن، و الأئمة من أصحابه: أن مدلول العصمة ما هو مدلول التوفيق على ما سبق من أصله. و هو موافق للوضع اللغوى أيضا؛ فإن خلق القدرة على الطاعة، و الإيمان، يلازمه الطاعة و الإيمان. و يلزم من الطاعة امتناع المعصية، و من الإيمان امتناع الكفران؛ فخلق القدرة على الطاعة، و الإيمان تكون عصمة عن المعصية، و الكفران.
و على هذا فلا يمتنع إطلاق اسم العصمة على خلق الطاعة و الإيمان نفسهما؛ لامتناع وقوع المعصية، و الكفر معهما.
فإن قيل: إذا كان خلق القدرة على الإيمان، و خلق الإيمان عصمة مانعة من الكفر؛ فخلق القدرة على الكفر، أو خلق الكفر، يكون أيضا منعا من الإيمان. و ليس خلق القدرة على الكفر مانعا من الإيمان.
[١]
فى ب (و لا يتضرع).
[٢]
فى ب (حيث أنه لم يكن الظلم متصورا من الله تعالى).
[٣]
سورة هود ١١/ ٤٣.
[٤]
سورة المائدة ٥/ ٦٧.
[٥]
سورة آل عمران ٣/ ١٠٣.
[٦]
فى ب (لقلل) و قلل الجبال معناها قمم الجبال، و (قلة الجبل) أعلاه و الجمع (قلل) المصباح
المنير. باب القاف فصل اللام و ما يثلثهما).