أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٧
و أما الوجه الثالث: فقد سبق إبطاله فى إبطال الوجه الأول.
و الأقرب فى ذلك أن يقال:
نحن لا ننكر صحة إطلاق لفظ الهداية و الإضلال بالمعنى المذكور فيما ذكرناه من النصوص، و ما ذكروه، غير أن النزاع فيما وراء ذلك؛ و هو أنه هل هو حقيقة؟ أو بطريق المجاز؟ و قد بينا جهة الحقيقة فيما ذكرناه من ضرورة تبادره إلى الفهم عند إطلاق اللفظ، بخلاف ما عداه؛ و هو/ أمارة الحقيقة؛ فإن الغالب إنما هو اشتهار اللفظ فى جهة الحقيقة دون جهة المجاز.
و أما الاحتمال الثانى:
فلا نسلم ورود لفظ الهداية بمعنى الدعاء. و قوله- تعالى-: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [١] الآية؛ فالمراد بها الهداية بمعنى خلق الهدى؛ فإنهم كانوا آمنوا لما رأوا الآية الباهرة، من ظهور الناقة من باطن الصخرة الجامدة و ارتسموا بما رسمه لهم صالح، من قسمة الماء بين الناقة و بينهم، على ما قال- تعالى-: لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [٢]. ثم إنهم عادوا لما نهوا عنه، و استحبوا الضلالة على الهدى.
و إن سلمنا أن المراد من الآية ما ذكروه من الاحتمال، غير أنه يمتنع حمل بعض ما ذكرناه من النصوص عليه؛ لأنه أثبت الهداية، و الإضلال، و جعلهما متقابلين حيث قال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [٣]. و الشرح، و الضيق متقابلان، و الشرح ملازم للهداية، و الضيق ملازم للإضلال؛ فالملزومان متقابلان.
و الهداية بمعنى الدعاء، و شرع سبل الخيرات، لا تقابل الإضلال بالمعنى المذكور؛ لتصور اجتماعهما.
ثم: و إن سلمنا إمكان حمل ما ذكرناه من النصوص عليه. غير أنه لا بد له من دليل، ضرورة أن ما ذكرناه حقيقة على ما تقدم.
[١]
سورة فصلت ٤١/ ١٧.
[٢]
سورة الشعراء ٢٦/ ١٥٥.
[٣]
سورة الأنعام ٦/ ١٢٥.