أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٦
أما قوله/- تعالى-: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ دليل على تنجيز شرح الصدر، و جعله ضيقا حرجا فى الدنيا؛ و ليس فيه ما يدل على تنجيز الهداية، و الإضلال؛ إذ أمكن أن يكون المراد من قوله- تعالى-: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ: أى فى الدار الآخرة يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فى الدنيا وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ فى الآخرة يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً فى الدنيا.
و قوله- تعالى-: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [١]. لا يمتنع أن يكون محمولا على الدعاء إلى دار السلام فى الدنيا، و الهداية فى الأخرى [٢]؛ إذ ليس فى اللفظ ما يدل على تخصيص الهداية بالدنيا لا من جهة اللفظ، و لا المعنى، و كذلك الكلام فيما بقى من النصوص.
و ليس فى حمل النصوص على الهداية و الإضلال- على ما تأوله الخصم أيضا- ما يوجب رفع الهداية، و الإضلال فى الدنيا؛ لجواز استفادته من دليل آخر.
و أما الوجه الثانى: فإنما يلزم بتقدير أن يكون المتأول قائلا بإيجاب الهداية بالاعتبار المذكور، و إلا فلا.
و على تقدير أن يكون قائلا به؛ فلا يخرج بذلك عن الاختيار- و هو أن يكون ذلك بالقدرة، و المشيئة الأزلية- و إن كان لا بد من وقوعه. و إن كان لزوم الوقوع، أو لزوم عدمه مع كونه بالقدرة، و المشيئة- مما يخرج الرب- تعالى- عن كونه مختارا؛ للزم منه ذلك.
و إن حمل لفظ الهداية، و الإضلال: على خلق الهدى، و الضلال فى الدنيا أيضا.
و ذلك لأنه لا يخلو: إما أن يكون وقوع ذلك معلوما لله- تعالى- أو عدمه.
فإن كان المعلوم هو الوقوع؛ فلا بد منه.
و إن كان المعلوم هو العدم؛ فلا بد منه؛ حتى لا يكون علم الله- تعالى- جهلا؛ و ذلك يوجب خروج الرب- تعالى- عن كونه مختارا، مع أن الوقوع و عدم الوقوع بالقدرة، و المشيئة الأزلية؛ و لا محيص عنه.
[١]
سورة يونس ١٠/ ٢٥.
[٢]
فى ب (الآخرة).