أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨١
[حجة أخرى لبعض الأصحاب]
و قد تمسك بعض أصحابنا: فى جواز التكليف بما لا يطاق بقوله- تعالى-: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [١]. و وجه الاحتجاج به أنهم سألوا دفع التكليف بما لا يطاق، و لو كان ذلك محالا فى نفسه؛ لكان مندفعا بنفسه من غير حاجة إلى السؤال فى دفعه؛ فحيث سألوا دفعه دل على كونه جائزا.
[قد يرد عليها أسئلة]
فإن قيل: لا نسلم أن الآية ظاهرة فى سؤال [٢] دفع [٢] التكليف بالمحال؛ فإنها إنما تكون ظاهرة فيه أن لو كان التكليف بالمحال ممكنا؛ لأنه إذا لم يكن ممكنا؛ فيكون مندفعا بنفسه كما ذكرتموه و لا حاجة إلى سؤال دفعه.
و عند ذلك: فيتوقف إمكان التكليف بالمحال على كون الآية ظاهرة فيه، و يتوقف ظهورها فيه على كونه ممكنا؛ و هو دور ممتنع.
سلمنا أنها ظاهرة فى دفع التكليف بالمحال؛ و لكن يحتمل أن يكون المراد إنما هو دفع ما فيه كلفة، و مشقة على النفس. و لهذا يصح أن يقال لمن كلف عبده ما شق عليه مشقة مفضية إلى هلاكه، كلفه ما لا طاقة له به. و يدل عليه أول الآية و هو قوله- تعالى-: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [٣] و المراد بالإصر [٤]: ما فيه ثقل و مشقة، هكذا قال أهل اللغة.
سلمنا أن المراد به تكليف المحال؛ و لكن ليس فيه ما يدل على جواز التكليف بالمحال؛ إذ هو حكاية حال الداعين، و لا حجة فى قولهم، و لو صرحوا بالجواز.
سلمنا صحة الاحتجاج بقولهم؛ و لكن لا يخلو: إما أن يقولوا بأن كل تكليف تكليف بما لا يطاق، أو بعض التكاليف، دون البعض.
فإن كان الأول: فالسؤال يكون لدفع كل تكليف، و لا فائدة فى [٥] التخصيص [٦] بما لا يطاق.
و إن كان الثانى: فالتكليف: إما تكليف عاجز، أو غير عاجز، فما يطاق إما تكليف العاجز، أو من ليس بعاجز.
[١]
سورة البقرة ٢/ ٢٨٦.
[٢]
فى ب (دفع سؤال).
[٣]
سورة البقرة ٢/ ٢٨٦.
[٤]
فى ب (من الإصر).
[٥]
فى ب (به).
[٦]
فى ب (للتخصيص).