أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٦٠
فإن قيل: الثواب جزاء على النظر، و المشاق اللازمة بالتزام الطاعات و فعل [١] المأمورات، و اجتناب المنهيات؛ ألذ من ابتدائه، و أنفى للمنة؛ فهو خروج عن الدين، و تكبر عن الدخول فى منن الله- تعالى- و إسباغ نعمه. و كيف السبيل إلى ذلك، و أين المفر عنه مع القول: بإيجاده مبرأ عن الآفات، ممكنا من تحصيل اللذات، و إقداره على ما يصدر عنه من الطاعات، و تكميل عقله للفهم و الإدراك إلى غير ذلك من النعم التى لا تعد و لا تحصى، و ذلك/ منه بدا من غير سابقة طاعة، أو فعل عبادة.
الثالث: هو أن الخصم معترف بأن ما يفعله العبد من الطاعات، واجب عليه و ملجأ إليه؛ شكرا لله- تعالى- على ما أولاه من مننه، و أسبغ عليه من جزيل نعمه. فكيف يستحق الثواب على ما أداه من الواجبات؟ و الجزاء على ما حتم عليه من العبادات.
و كيف السبيل إلى الجمع بين القول بوجوب الطاعة على العبد شكرا، و الثواب على البارى- تعالى- جزاء. و ذلك من جهة أنّ الشّكر لا يجب، إلا بعد سابقة النعم [٢] المتطوّل بها ابتداء، لا بطريق الوجوب. و الجزاء الواجب، لا يكون؛ إلا بعد سابقة خدمة [٢]، و طاعة متبرع بها، لا [٣] على [٣] ما وقع بطريق الوجوب فى مقابلة النعم السابقة. و قوله- تعالى-: وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [٤] و قوله- تعالى- لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [٥] فليس المراد به التعليل؛ و إنما المراد به تعريف الحال فى المآل كما فى قوله- تعالى- فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [٦]. و قوله- تعالى- جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٧].
و نحن لا ننكر وقوع مثل ذلك، و إنما ننكر كونه مقصودا بالتكليف حتى يقال إنه كلف بكذا، أو لعله كذا، و بهذا يخرج الجواب عما ذكروه من النصوص الدالة على أن المقصود من خلق السموات، و الأرض و ما بينهما، إنما هو النظر، و الاعتبار.
[١]
فى ب (بفعل).
[٢]
من أول (النعم المتطول ... الى قوله سابقة) مكرر فى أ.
[٣]
فى ب (على).
[٤]
سورة الجاثية ٤٥/ ٢٢.
[٥]
سورة النجم ٥٣/ ٣١.
[٦]
سورة القصص ٢٨/ ٨.
[٧]
سورة القصص ٢٨/ ٧٣.