فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٦٣ - النقطة الثالثة
فإنّ المقرض يقوم بمجازفة اقتصاديّة في صورة القرض، فيقع في الواقع ظلم عليه.
فهذا اصطناع بالمعروف و فيه ظلم على المقرض، و أنّ فرص الاستثمار التي كانت للمقرض بلحاظ ماله تنعدم بينما يعطيها للمقترض، فلو كنّا نحن و الواقع التجريدي الاقتصادي بلحاظ الأغراض الماليّة ليس يحكم على الربا بنحو مطلق أنّه ظلم.
نعم، الربا الفاحش الذي يستأصل المقترض هو ظلم محض، و أمّا الفائدة القائمة على أساس مدروس طبقاً لفرص النجاح و الاستثمار و مقارنة رأس المال مع الأرباح بنحو لا تستأصل أموال المقترض، فهذا أمر معقول، و التعدّي عنه ظلم. و بذلك يجمع بين أنّ الإقراض اصطناع بالمعروف، و بين أنّ أخذ النماء لملك الغير ظلم.
فالمراد من الإقراض المعروف هو الإقراض مع فائدة متناسبة، و المراد من الربا الظالم، هو الربا التصاعدي الفاحش الذي يستأصل أموال المقترض فضلًا عن نمائها.
و فيه: أنّ في تلك الحال أيضاً المقترض في معرض الخطر و الظلم، و أنّ المقرض دائماً في أمان، فإنّ أصل ماله مؤمّن، و كذلك أصل الفائدة مؤمّنة. بينما ذاك المقترض يقدم على عمل استثماري- توليدي أو استهلاكي أو توزيعي- قد تنتفي الفائدة من رأس، بل قد ينتفي رأس ماله، فإذن المقترض دائماً في معرض الخطر و المخاطرة، بينما المقرض دائماً في أمان، و هذا نوع من الظلم على المقترض بلا ريب.
و يلاحظ عليه
أوّلًا: إنّ المقترض الكبير- كالشركة العالميّة أو الدول إذا استقرضت- ما يقدم على مشروع إلّا و تكون فرص نجاحه في يده، فهو ضامن للنجاح و ليس المال في معرض الزوال و الفشل.
ثانياً: إنّ المقرض أيضاً في معرض الخطر، فإنّ المقترض قد لا يسدّد و لا يسترجع رأس المال، و هذا ظلم على المقرض.
و ستأتي لذلك تتمّة إن شاء اللَّه تعالى.