فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٩ - مشروعيّة ضمان العهدة و الفعل
و ضمان اليد بأن يستولى الإنسان على مالٍ غير مأذون فيه أو هو ضمان العهدة أو ضمان الفعل؟ و لا يخفى انتفاء الاحتمالين الأوّلين، و لا بدّ في تعيين أحد الاحتمالين الأخيرين من بيان ماهيّة كلّ منهما بعد كونهما مستحدثين ألحقهما متأخّرو الأعصار بباب الضمان، فضمان العهدة ضمان و تعهّد ابتدائي بجبر الخسارة على تقدير التلف، فالضمان فعلي و أثره- أي جبر الخسارة- تعليقي، فيغاير الضمان الاصطلاحي- الذي هو نقل دين من ذمّة إلى ذمّة اخرى- المتوقّف على كون الذمّة مشغولة بدين لينقل إلى اخرى بخلاف ضمان العهدة، فإنّه يكفي فيه احتمال اشتغال الذمّة لاحقاً كما هو الحال في الجعالة فإنّ ماهيّتها بعد الايجاب فعليّة، لكن مضمونها و مؤدّاها و أثرها تعليقي.
نعم، لو عُلّقت الجعالة على تعليق زائد على التعليق الذاتي في ماهيّتها تبطل، و مثاله: لو أقدم المتبايعان على بيع خطير من ناحية كلّ من العوضين، فإنّ كلّاً منهما أو أحدهما إذا أراد أن يطمئنّ على العوض الذي يبذله، أي على سلامة المعوّض له؛ إذ قد يكون المبيع سرقة و كذلك الثمن ممّا يؤدّي إلى ذهاب العوض و تلفه بأكله و تمايل الطرف الآخر فيطالب كلّ منهما أو أحدهما بجلب ضامن يلتزم بعهدة الثمن أو المثمن، فيُنشئ الضامن الضمان للطرف الآخر بقوله: «أنا ضامن لك ثمنك أو مبيعك»، فهاهنا الثمن ليس دَيناً على الضامن؛ إذ قد يكون المبيع حقيقة للبائع، فلا سبب لأداء الضمان حينئذٍ، و مع ذلك فالضمان متحقّق فعلًا.
هذا، و مفاد الأدلّة و العمومات في باب الضمان هو القسم الأوّل، فلا بدّ من إقامة دليل آخر على القسم الثالث.
ثمّ إنّ هذا الضمان لا ينفي الدين عن المضمون عنه، لو كان البائع لا يملك المبيع، و قد اخذ الثمن فإنّه يكون مديناً للمشتري، فهاهنا الضامن و إن كان يضمن الثمن للمشتري و لكنّ ذمّة البائع- الذي قد غصب المبيع و تحايل لبيع المبيع بعنوان أنّه ملكه- لا تفرغ ذمّته من الدين في الواقع شرعاً، و هذا هو الفارق الثاني بين الضمان الثالث، و ما تقدّم من الضمان.