فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٥ - أقوال العامّة في الحيل
من حدّة تطرّف المتشدّدين في الربا، فميّزوا بين ربا النسيئة و جعلوه هو الربا الجليّ أو الربا القطعي، و هو حرام لذاته، و بين ربا الفضل و جعلوه رباً خفيّاً أو رباً غير قطعي، و هو حرام أيضاً، لكن لا لذاته بل لأنّه ذريعة إلى ربا النسيئة، فتحريمه إذن من باب سدّ الذرائع.
ثمّ تأكّد هذا الاتّجاه باتّجاه أكثر منه تضييقاً لمنطقة الربا، فجعل كلّاً من ربا الفضل و ربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرّمين لا لذاتهما، بل سدّاً للذرائع و ربا الجاهليّة هو وحده المحرّم لذاته.
فنحن إذن نواجه اتّجاهات ثلاثة متدرّجة في التضييق من منطقة الربا: أقلّها تضييقاً لهذه المنطقة هو اتّجاه ابن رشد و ابن القيّم الذي يميّز ما بين ربا الفضل و ربا النسيئة، فالأوّل هو رباً خفيّ، و الثاني هو الجليّ.
ثمّ يتلوه في التضييق الاتّجاه الثاني، و هو الذي يميّز ما بين الربا الوارد في الحديث الشريف و الربا الوارد في القرآن الكريم، فالثاني دون الأوّل هو الربا الجليّ.
و أشدّ الاتّجاهات تضييقاً لمنطقة الربا هو الاتّجاه الثالث، الذي كان عبد اللّه بن عبّاس يترسّمه و هو لا يعتدّ إلّا بالربا الوارد في القرآن الكريم، و هو ربا الجاهليّة، فهو وحده الذي يحرّمه و لا يحرّم غيره من ضروب الربا، فضلًا كان أو نسيئة.
ثمّ إنّ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه مصادر الحقّ في الفقه الإسلامي (٣/ ٢٠٠- ٢٤٩) شرح تلك الاتّجاهات الثلاثة في خمسين صفحة تقريباً، و نحن نذكر موجزه:
الاتّجاه الأوّل: صاحب هذا الاتّجاه هو ابن القيّم، فهو يميّز في وضوح و إسهاب بين ربا النسيئة و هو ربا جليّ، أو ربا قطعي، و بين ربا الفضل و هو ربا خفيّ أو ربا غير قطعي. فعنده أنّ ربا النسيئة محرّم لذاته تحريم مقاصد، و هو الذي نزل فيه القرآن، و كانت عليه العرب في الجاهليّة، و هو الربا الذي لا شكّ فيه كما يقول أحمد بن حنبل.
أمّا ربا الفضل فهو محرّم أيضاً، و لكن تحريم وسائل من باب سدّ الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرّم ربا النسيئة.
و وجه ذلك: أنّ بيع خمسة دنانير بستّة غير جائز، و هذا هو ربا النسيئة، و كذلك هو غير جائز بيعاً حالًا، و هذا هو ربا الفضل، ذلك أنّنا لو أجزناه حالًا و حرّمناه نسيئة لاتّخذ النّاس الحال ذريعة إلى النسيئة و لباع رجل من آخر خمسة دنانير في ستّة بزعم أنّ البيع