فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٦٩ - قاعدة في عموم مانعيّة الغرر
و لا نقصر الكلام في الإحاطة و العلم بالعوضين على خصوصيّتهما أو ماليّتهما، بل الكلام في مطلق جعل التقابل بينهما، فمثلًا: في البيع عند ما يقابل بعوض مالي، معيار هذه المقابلة هي الموازنة و المساواة الماليّة، و لو بحسب اختيار المتعاقدين، و من ثمّ فلو لم تكن مساواة بحسب الواقع لا يبطل البيع، بل غاية الأمر يثبت خيار الغبن، فالمقابلة قائمة على التوزين المالي، و هو متوقّف على معرفة العوض كي تجري فيه المعاوضة و المساومة و المساواة، فثبوت خيار الغبن لا ينافي اعتبار مانعيّة الغرر، بل يتوقّف عليها؛ إذ لا يمكن فرض الغبن و خياره إلّا مع عدم الغرر.
بيان ذلك: أنّ كلّاً من المتعاقدين يوازن و يقابل العوضين عالماً بالمقابلة، و إن لم يعلم القيمة الواقعيّة، فالمقابلة معلومة في البين، و من ثمّ تُقايَس مع القيمة الواقعيّة كي يُتبيّن وجود الغبن أو عدمه، فتصوير الغبن و عدمه مبتن على معلوميّة أصل المقابلة، و ظهور الغبن لا ينافي كون البيع الواقع خالياً من الغرر؛ إذ ليس انتفاء الغرر و الجهالة هو بحسب الإحاطة و العلم بذات العوض على ما هو عليه في الواقع بجميع صفاته و خصوصيّاته، بل هو بحسب أحد صفات العوض المهمّة التي يمكن ضبط بقيّة صفاته الاخرى- و إن كانت مجهولة- بها، فيكفي في تحقّق المقابلة في المعاوضات العلم بالمقابلة بحسب أحد الصفات المهمّة، فمدار انتفاء الغرر و عدمه لا ينافي وقوع الجهل بصفة الماليّة الواقعيّة، فلا ينافي تصوير خيار الغبن؛ و لذلك اشترطوا في البيع عدم الغرر مع قولهم بخيار الغبن فيه، و لم يعدّ ذلك تهافتاً لإمكان تصوّر وقوع البيع الصحيح الخالي عن الغرر الموجب مع ذلك لخيار الغبن، و أنّ الغرر ينتفي بالعلم بالماليّة الجعليّة المسمّاة بحسب المقابلة لا بخصوص العلم بالماليّة الواقعيّة و تسمية الماليّة هي عين المقابلة بخلاف الماليّة الواقعيّة، فالغبن قائم على حيثيّة تختلف عن الحيثيّة التي تقوم عليها المقابلة.